في لحظة مهيبة، افتتح الملك محمد السادس، أول الدروس الحسنية، بمدينة الرباط، خلال شهر رمضان الأبرك، مرتديا جلبابه التقليدي، مشعا بأناقته وبساطته، وحضوره الذي أضفى على المناسبة لمسة من الأصالة مبرزا تراث البلاد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه الأكرمين.. هكذا استهل أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، متناولا الدرس الحسني، تحت موضوع “تجديد الدين في نظام إمارة المؤمنين”، انطلاقا من الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.
وسط القصر علماء وقامات دينية، تستمع بكل نباهة، لما يتناوله الدرس، على يمين الملك محمد السادس، يستقر ولي العهد مولاي الحسن، مرفوقا بمولاي رشيد، وعلى يساره أفراد العائلة الملكية الشريفة، مشهد اعتاده المغاربة منذ سنين، متشبتين بملكهم حافظ هويتهم، ومدافعا عن حقوقهم، مقتدين به في الأمور الدينية.
صفوف متراصة، ممن يرتدون ألبسة موحدة تارة الأبيض، وتارة أخرى اللون الأصفر الفاتح، احتراما لبروتوكول محدد، مباشرة أمام الملك يجلس علماء أو فقهاء لربما من الذي يسمون بعلماء “الأزهر”، المعروفين بمصر الشقيقة، بل شمل ضيوف الدروس الحسنية علماء وشيوخ، من الدول العربية الشقيقة التي بلغت بعلمها ما تقتدي به وتفتخر.
في هذا الشهر المبارك، توجه المحاضر، في محاضرته نحو استعراض أهمية تجديد الدين، بداية من التأكيد على أداء إمامة أمير المؤمنين لأمانتها في جميع المجالات، مما أسهم في تعزيز الدين بمفهومه الشامل للحياة وحماية اختيارات الأمة وتجديدها ليتناسب مع التحولات الحديثة.
واستعرض المحاضر جوانب من هذا التجديد من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولا، مسألة تجديد الدين في الفكر الإسلامي والثقافات الأخرى، حيث استعرض النظرة إلى هذا الموضوع في الماضي والحاضر، ثانيا، تجديد الدين في إطار إمارة المؤمنين، موضحا كيفية تطبيق المبادئ الإسلامية في الحكم والتحكيم. وأخيراً، تناول الوزير آفاق هذا التجديد على مستوى الأمة.
وأبرز المحاضر، أمام الملك، أنه قد يكون لدعاة التجديد داخل الإسلام في العصر الحاضر بعض الأثر، ولكن دعوتهم لم تقدم للمسلمين الجواب الذي ما يزال مطلوبا، وهو كيف يصلون بالتدين إلى الحياة الطيبة كما جاء الوعد بها في القرآن، متابعا في مسألة تجديد الدين في المغرب ماضيا وحاضرا، أكد التوفيق أن الله تعالى قد امتن على المغرب بالنجاة من الفتن في هذا الباب، وذلك باختيار نظام إمارة المؤمنين مند عهد الأدارسة.
ومن عمل إمارة المؤمنين في باب حفظ الدين وتجديده، هناك حماية العرض، بما هي أي حرص المبايع على ضمان الكرامة للناس، والحريات العامة التي استلزم تعقد الحياة أن تضمنها الدولة وتنظمها، وكذا الاجتهاد الذي أخذ نظام إمارة المؤمنين في بابه بكيفية تلقائية بكل ما هو مطابق للعقل من جهة المصلحة.
وتنضاف إلى ذلك، يضيف المحاضر، قضية الأسرة التي اهتم بها نظام إمارة المؤمنين في جوانب التجديد القانوني والدعم الاجتماعي والإصلاح الحقوقي، وقضية المرأة التي تحقق في نظام إمارة المؤمنين تعادلا واستحقاقا مطردا.
وتوقف السيد التوفيق في المحور الثالث من هذا الدرس عند موضوع التدين الذي يتعلق بصميم التجديد. وأكد في هذا الصدد، أن وجود تفاوت بين كمال الدين والنقص في جودة التدين، يتطلب حضور عنصر في معادلة التغيير والتجديد وهم العلماء الربانيون المتمكنون الذين يكونون نماذج للناس في التواضع ومحاسبة النفس.
وأبرز في هذا الصدد أن وعي المؤسسة العلمية بهذا التفاوت هو الذي جعلها تقبل على مشروع مجدد عنوانه “تسديد التبليغ” الذي يتعين أن تستعمل فيه مختلف الوسائل المؤثرة واستعادة العلماء لدورهم كمؤثرين، ونزولهم إلى الميدان انطلاقا من المساجد، معانين بالأئمة والمرشدين والمرشدات.
وفكرة المجالس العلمية، أو الدروس الحسنية، كما يوضحها مؤرخ المملكة المغربية، عبد الحق المريني هي “فكرة المجالس العلمية هي فكرة قديمة في تاريخ الدولة الإسلامية، وقد برزت في المغرب في العهد المرابطي والموحدي، وكان يطلق عليها مجالس الفقهاء، ولم يطلق عليها “المجالس العلمية” إلا في العهد المريني ثم السعدي”.
ويضيف عبد الحق المريني في المقال المنشور على موقع “ميثاق الرابطة ” أنه “في العهد العلوي احتضن ملوك الدولة العلوية هذه المجالس العلمية وشجعوها، وأمروا بفتح باب المناقشة بين العلماء. وكان العلماء من ملوك هذه الدولة يدلون بدلوهم في هذه المساجلات”.