وكأنها قصة رحيل من وحي الخيال، وكأنه كان يقول سأظل فاعلا حقوقيا منافحا عن حقوق الإنسان، عن حقوق المعتقلين والمستضعفين والمظلومين والمكلومين إلى آخر رمق، في الشارع والمحاكم وأمام وسائل الإعلام، فصدق فيه قول الحق “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.
وكأنه مدخل لرواية تندرج في خانة أدب الموت، كتب يونس مسكين وهو الذي رافق الراحل في حضرة عزرائيل ” كان الرجل يئن تحت أثقال كبيرة، يريد أن يقول الكثير، تزاحمت الكلمات والمواقف والصرخات في حلقه حتى نالت منه وأعجزته فأسكتته للأبد “، مضيفا “Un malaise.. un malaise.. قال المشمول برحمة الله وهو ينظر إلي ويشير بيده اليمنى نحو صدره، فكان ذلك آخر ما قاله”.
ليصف هذا المشهد السريالي لرحيل رجل من رجالات الحركة الحقوقية والحركة اليسارية بالمغرب “لعمري إنه الألم الذي لن يبرحنا ما حيينا. ألم فراق الأخيار بهذه الطرق التي قادتنا إليها الأقدار، فلا ندري أهو التشريف ما تقصده لنا أم هو الألم والضيق والمعاناة الذي يجمعنا أحياء وأموات”.
رحل عنا على حين غرة، الفاعل الحقوقي والمدني والأستاذ الأكاديمي والمحامي عبد العزيز النويضي، إبن الحركة اليسارية الذي عاش في كنف الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، والذي عاش إلى جانب الراحل عبد الرحمان اليوسفي، وعمل إلى جانبه كمستشار للوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي من 1998 إلى 2002، وظل على احتكاك به حتى بعد اعتزاله السياسية.

وقد سجل التاريخ أن الرجل كان من المحاميّن الحقوقيين الذين لم يتأخروا يوما في تسجيل نيابتهم في ملفات كل القضايا المتعلقة بحرية الرأي والاحتحاج والتعبير، و قد كان آخرها نيابته في ملف رضا الطاوجني، وكانت لن تكون الأخير لولا سلطة الموت، كما كتب حسن الحافة، لأنه كان دائما، رحمة الله عليه، نصير المعتقلين المُكبلين بمطاطية القانون وعتمة ظلمة زنزانة السجون.
وقال أحمد الزفزافي والد المعتقل على خلفية إحتجاجات الريف ناصر الزفزافي ” إن وقوفه في القاعة رقم سبعة بمحكمة الإستئناف بالدار البيضاء إلى جانب معتقلي الريف يكفينا فخرا، وكل ما سأقوله قليل في حقه”.
ترجل الرجل عن صهوة الحياة، وهو يحمل في قلبه غصة المعتقلين ومحاربة الفساد، ومجابهة الفقر، ترجل تاركا وصية للحركة الحقوقية وللمحامين الشباب، أنتم أمل البلاد من أجل مغرب ديموقراطي يحترم فيه الإنسان، رحل وهو يقول “إذا لم يكن للإنسان شيئاً يموت من أجله، فهو لا يستحق أن يعيش”.