في تقرير حديث أصدره البنك الدولي، كشف عن ارتفاع مديونية المغرب الخارجية إلى 70 مليار دولار خلال العام الماضي، ما يمثل حوالي 50% من الناتج الداخلي الإجمالي و100% من قيمة الصادرات السنوية للبلاد.
ويعكس هذا الرقم زيادة بنسبة 6.6% مقارنة بالعام السابق، حيث بلغت المديونية حينها نحو 65 مليار دولار. هذه الأرقام تسلط الضوء على التحديات التي يواجهها الاقتصاد المغربي في ظل الاعتماد المتزايد على الاقتراض الخارجي لتغطية احتياجاته المالية.
التقرير أشار إلى أن النسبة الأكبر من الديون الخارجية تأتي من الجهات الدائنة متعددة الأطراف، حيث تمثل 49% من الإجمالي. ويتصدر البنك الدولي قائمة الدائنين بنسبة 20%، يليه بنك التنمية الإفريقي بنسبة 10%، بينما تشكل المؤسسات الأخرى متعددة الأطراف 19%.
أما الديون الخاصة، التي تمثل تحديًا خاصًا لكونها مرتفعة التكلفة، فتشكل 36% من المديونية الإجمالية، مع استحواذ السندات الدولية على 27%. بالنسبة للديون الثنائية المقدمة من حكومات أجنبية، فهي تمثل 15%، حيث تحتل فرنسا وألمانيا الصدارة بنسبة 5% لكل منهما، وتليهما اليابان بنسبة 2%.
يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، اعتبر أن هذه الأرقام تعكس تحديات كبيرة تواجه الاقتصاد المغربي.
وأوضح أن المديونية العامة للدولة، بما في ذلك القروض المضمونة، تجاوزت 95% من الناتج الداخلي الإجمالي، مما يضع المغرب على أعتاب حاجز مقلق يهدد استقراره الاقتصادي.
وأرجع هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الالتزامات المالية الكبيرة التي تحملتها الدولة نتيجة مخرجات الحوار الاجتماعي، والتي أدت إلى زيادة كتلة الأجور بنسبة 12%، فضلاً عن المشاريع الطموحة لتطوير البنية التحتية الرياضية استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2030، بالإضافة إلى تكاليف تعميم الحماية الاجتماعية.
وأشار الفيلالي إلى أن هذه الالتزامات تتطلب ميزانيات ضخمة، تُقدر بمليارات الدراهم، في وقت يعتمد الاقتصاد المغربي بشكل أساسي على الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل هذه المشاريع.
وأكد أن غياب الابتكار في تدبير الموارد وتنويعها يزيد من حدة المشكلة، حيث تظل الموارد التقليدية غير كافية لتلبية الاحتياجات المالية للدولة.
كما حذر من أن هذا النهج لا يقتصر تأثيره على التوازنات الاقتصادية الكبرى، بل يمتد ليشمل التأثير على سيادة الدولة، خاصة في ظل ارتفاع نسبة الديون الخاصة.
ورغم التبريرات التي تقدمها الحكومة بشأن الاستدانة، يبقى السؤال المطروح حول جدوى هذه القروض في تحقيق نمو اقتصادي مستدام. فمعدلات النمو الحالية في المغرب لا تتجاوز 3%، وهي نسبة ضئيلة مقارنة مع حجم المديونية.
ويرتبط هذا النمو بشكل كبير بالقطاع الفلاحي، الذي يظل عرضة لتقلبات المناخ، مما يجعل الاقتصاد المغربي هشًا وغير قادر على تحقيق معدلات نمو تضاهي تلك التي تحققها الدول المتقدمة.
على النقيض من ذلك، نجد دولًا مثل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تعتمد على الاستدانة كأداة لتمويل مشاريعها، لكنها تحقق معدلات نمو مرتفعة تصل إلى 7% أو 8% بفضل اقتصاداتها المتنوعة وقوتها الإنتاجية.
في المقابل، يفتقر الاقتصاد المغربي إلى هذا التنوع، مما يحد من قدرته على تحويل القروض إلى استثمارات فعالة تساهم في خلق فرص عمل وزيادة الثروة الوطنية.
هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول استراتيجية المغرب في التعامل مع المديونية الخارجية، هل يمكن للدولة إيجاد بدائل مبتكرة لتقليل الاعتماد على القروض وتحقيق التوازن المالي؟ أم أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب رؤية شاملة تركز على تنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والتكنولوجيا، مع تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي وضمان تحقيق عائدات مستدامة من الاستثمارات.
في ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل الاقتصاد المغربي غامضًا. هل ستتمكن الحكومة من اتخاذ خطوات جذرية لإصلاح النظام المالي وتعزيز النمو الاقتصادي؟ أم أن المديونية ستظل عائقًا أمام تحقيق التنمية المستدامة؟ النقاش يبقى مفتوحًا، لكن المؤكد أن الحاجة إلى التغيير أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى.