أثار قرار المجلس العلمي الأعلى برفض استخدام الخبرة الجينية لإثبات نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج نقاشاً متجدداً حول قضايا حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والتحديات التي تواجه المشرّع المغربي في التوفيق بين التطورات العلمية ومتطلبات القيم الدينية والاجتماعية.
هذه القضية ليست مجرد نقاش قانوني أو فقهي، بل تمس جوهر العدالة الإنسانية التي تستوجب الإنصاف وحماية الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال الذين يولدون في ظروف خارجة عن إرادتهم.
المجلس العلمي، الذي اعتبر أن إثبات النسب يجب أن يبقى مرتبطاً بالزواج الشرعي، استند إلى اعتبارات دينية ترى في الزواج الإطار الوحيد الذي يضمن استقرار المجتمع. ورغم أهمية هذا المبدأ في السياق الديني والثقافي المغربي، إلا أن رفض إدخال التكنولوجيا الحديثة، مثل تحاليل الحمض النووي، أثار تساؤلات حول مدى مواكبة المشرّع للتحولات التي يعيشها المجتمع، سيما وأن التقنية العلمية لا تقدم فقط يقيناً يفوق الإقرار التقليدي، بل تمثل وسيلة عادلة لتحمل المسؤولية القانونية والاجتماعية من قبل الطرفين، الرجل والمرأة، في علاقة غير شرعية.
في هذا السياق، برزت مواقف لافتة مثل موقف المصطفى الرميد، الوزير السابق والقيادي في حزب العدالة والتنمية، الذي دعا بشكل صريح إلى إعادة النظر في هذه القضية.
الرميد أشار إلى أن التطورات العلمية تتيح لنا اليوم تجاوز الشكوك التي كانت تكتنف قضايا النسب في الماضي، مؤكداً أن تحاليل الحمض النووي توفر يقيناً لا يمكن تجاهله. كما دعا إلى منح الأطفال المولودين خارج الزواج حقوقهم كاملة في النسب، معتبراً ذلك خطوة ضرورية لتحقيق الإنصاف والعدل دون أن يعني ذلك تشجيع العلاقات غير الشرعية. هذا الموقف يعكس إدراكاً لضرورة التوفيق بين القيم الدينية ومتطلبات العدل في ضوء المستجدات العلمية.
إلى جانب ذلك، تعكس معاناة الأمهات العازبات وأطفالهن هشاشة الوضعية القانونية والاجتماعية التي تعيشها هذه الفئة، ووفقاً للفاعلة الحقوقية سارة سوجار، فإن قضية الأمهات العازبات تكشف عن ازدواجية في النظرة المجتمعية والقانونية، حيث تُلقى المسؤولية بالكامل على المرأة، بينما يظل الرجل غالباً بمنأى عن المساءلة.
وترى سوجار أن رفض الخبرة الجينية لإثبات النسب هو استمرار لنهج يكرس هذا التمييز، مؤكدة أن العلم يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة وإنصاف الأطفال دون أن يُنظر إليه كتشجيع للسلوك غير الشرعي.
سوجار تشدد على أن حقوق الطفل يجب أن تكون في صلب النقاش، وأن حرمان الأطفال من النسب بسبب غياب إطار شرعي للعلاقة بين الوالدين هو ظلم لا يمكن تبريره بأي معيار أخلاقي أو ديني، فالعلم، في هذه الحالة، لا يقدم حلاً تقنياً فحسب، بل وسيلة لإنصاف الأضعف وتحقيق التوازن في المسؤولية بين الطرفين.
وتدعو سوجار إلى مراجعة شاملة لمدونة الأسرة تأخذ بعين الاعتبار هذه التحديات، مع العمل على كسر الوصم المجتمعي المرتبط بالأمهات العازبات وأطفالهن.
وحسب عدد من الفاعلين والحقوقيين فالمشرّع المغربي يواجه اليوم تحدياً معقداً يتمثل في التوفيق بين احترام القيم الدينية والاجتماعية من جهة، وتبني الأدوات الحديثة التي يمكن أن تعزز العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، خاصة وأن القوانين الحالية التي ترفض الاعتراف بالنسب استناداً إلى العلم تعكس نزعة للحفاظ على الأعراف والتقاليد، لكنها في الوقت نفسه تعرقل تحقيق العدالة للفئات الأكثر ضعفاً.
كما أن إثبات النسب باستخدام الخبرة الجينية لا يتعلق فقط بإيجاد حل قانوني، بل يعكس رؤية أوسع للعدالة والإنصاف. في مجتمع يتطلع لتحقيق المساواة وحماية الحقوق، يجب أن تكون القوانين أداة لتحقيق التقدم وليس عائقاً أمامه.
كما أن رفض إدخال التكنولوجيا في قضايا النسب يعيد فتح النقاش حول أولويات المشرّع المغربي: هل يسعى للحفاظ على القيم الاجتماعية بأي ثمن، أم يهدف إلى تحقيق العدالة الشاملة التي تراعي حقوق الجميع؟
يذكر أن قضية الأمهات العازبات وأطفالهن حسب المجتمع الحقوقي ليست مجرد مسألة قانونية، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته بأدوات عصرية، كما أن المضي قدماً في هذا الملف يتطلب شجاعة سياسية ووعي اجتماعي يضع مصلحة الطفل وحقوق الإنسان فوق كل اعتبار، مع إدراك أن التقدم لا يعني التخلي عن القيم، بل التوفيق بينها وبين متطلبات الواقع.

