تناول وزير التنمية الاجتماعية والتضامن في حكومة التناوب، محمد سعيد السعدي، التطورات الأخيرة في مشروع تعديل مدونة الأسرة المغربية، مسلطاً الضوء على مختلف جوانب هذا المشروع الإصلاحي الهام.
وكشف الوزير الأسبق عن تفاصيل المسار التشاوري الشامل الذي سبق صياغة التعديلات، حيث تجاوز عدد ساعات الاستماع للفاعلين المجتمعيين والمؤسساتيين 6000 ساعة، شملت مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية والحقوقية في المملكة.
وفي مقارنة مع تجربة 2001، أوضح السعدي أن المقاربة الحالية تختلف جذرياً عن سابقتها. ففي حين كانت اللجنة العلمية الاستشارية سنة 2001 يغلب عليها العلماء المحافظون، مع تمثيل محدود للنساء لم يتجاوز ثلاث نساء من أصل خمسة عشر عضواً، تميزت المقاربة الحالية بتوسيع دائرة المشاركة لتشمل مؤسسات متعددة.
وتضم هذه المؤسسات المجلس العلمي، ورئاسة الحكومة، ووزارة العدل، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والنيابة العامة، والمجلس الأعلى للقضاء، ووزارة المرأة، مما يعكس رؤية تشاركية ومنفتحة تتجاوز النظرة الأحادية التي سادت في السابق.
وتطرق الوزير في حديثه إلى التحول الكبير الذي شهده المجتمع المغربي منذ صدور مدونة الأحوال الشخصية في 1957-1958 وصولاً إلى قانون الأسرة في 2004، مشيراً إلى أن التعديلات الحالية، وإن كانت لا ترقى إلى مستوى التحول الجذري الذي شهده قانون 2004، إلا أنها تمثل خطوة إيجابية في المسار التطوري للتشريع المغربي.
وذكّر بمسيرات سنة 2000 التي كانت نقطة تحول في النظرة إلى مدونة الأحوال الشخصية، حيث كانت تعتبر في السابق نصاً مقدساً لا يقبل التغيير بحجة ارتباطه بالشريعة الإسلامية.
وفي سياق متصل، أثار محمد سعيد السعدي قضية موقف بعض التيارات السياسية المعارضة للتعديلات، وخاصة التيار الإسلامي السياسي الذي يمتلك 13 مقعداً فقط في البرلمان.
وأوضح أن محاولات عرقلة المسار التشريعي من خلال الدعوة إلى اجتماع مشترك لمجلسي البرلمان تعكس محاولة للتوظيف السياسي للقضية، خاصة مع اقتراب انتخابات 2026. وشدد على أن القضية ليست عددية فقط، بل تتعلق برؤية المجتمع الذي تمت استشارته بشكل واسع.
وفي تحليله للواقع الاجتماعي المغربي، أشار الوزير إلى أن الإحصاءات الأخيرة في المناطق الحضرية تظهر أن حوالي 22% من الأسر تعيلها نساء، أي ما يقارب أسرة من كل أربع أسر. هذا الواقع يتطلب، حسب الوزير، مراجعة بعض المفاهيم التقليدية مثل القوامة والنفقة، خاصة وأن الغالبية العظمى من النساء يساهمن في إعالة أسرهن.
وتناول الوزير بإسهاب قضية الهوية الدينية المغربية، موضحاً كيف عاش المغاربة الإسلام عبر القرون بتناغم مع أعرافهم وتقاليدهم، وكيف أن ما يسمى بالإسلام الشعبي كان دائماً متكيفاً مع الواقع الاجتماعي والثقافي للمغاربة.
وأشار إلى أن التحولات التي طرأت على المجتمع المغربي، خاصة مع ظهور ما يسمى بالصحوة الإسلامية المدعومة بالبترودولار، أدت إلى محاولات فرض نمط معين من التدين لا يتناسب مع التجربة التاريخية المغربية.
وختم الوزير حديثه بتحذير شديد من خطورة خطاب التكفير الذي يستهدف المؤيدين للتحديث، داعياً إلى الالتزام بحدود اللياقة في النقاش العام.
كما نبه إلى خطورة التضليل الإعلامي، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم نشر معلومات مغلوطة حول مضمون التعديلات المقترحة، مثل الادعاءات المتعلقة بالممتلكات المكتسبة خلال الزواج. وأكد أن هذه المحاولات تهدف إلى التأثير على الرأي العام وعرقلة المسار التشريعي الذي انطلق بتوجيهات ملكية سامية.