في لحظة فارقة من تاريخ لبنان، انتخب قائد الجيش اللبناني جوزيف عون رئيساً للجمهورية بعد أكثر من عامين من الشغور الرئاسي الذي أرهق البلاد سياسياً ومؤسساتياً.
رجل عسكري يبلغ من العمر 61 عاماً، قادم من خلفية بعيدة عن السياسة التقليدية، لكنه استطاع أن يستثمر موقعه على رأس الجيش اللبناني، المؤسسة الأكثر احتراماً في بلد يعاني من الانهيار الاقتصادي والتوترات الطائفية العميقة، كما أن انتخابه جاء بعد مفاوضات معقدة داخل البرلمان، حيث تمكن من حصد 99 صوتاً من أصل 128 في الجولة الثانية من التصويت، في خطوة تُظهر توافقاً داخلياً ودعماً دولياً واضحاً.
جوزيف عون، الذي تولى قيادة الجيش اللبناني منذ مارس 2017، حافظ على المؤسسة العسكرية بمنأى عن الصراعات السياسية والطائفية التي تشوه المشهد العام، استطاع في فترات حساسة أن يعيد صياغة دور الجيش ليكون ضامناً للاستقرار في ظل انهيار اقتصادي ضرب عصب الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية ذاتها.
وخلال قيادته، لجأ الجيش إلى المساعدات الدولية لضمان استمرار الرواتب والعمل، في وقت وصلت فيه الأزمات إلى مستويات غير مسبوقة. عون أظهر مرونة استثنائية في التعامل مع هذه التحديات، ما أكسبه احتراماً واسعاً في الداخل والخارج.
الدعم الدولي لعب دوراً كبيراً في صعود عون إلى قصر بعبدا فعلاقاته الوثيقة مع عواصم غربية مثل واشنطن وباريس، ودعمه من قوى إقليمية مثل السعودية، كانت عناصر حاسمة في تعزيز موقفه.
وفي مؤتمر دولي بباريس في أكتوبر الماضي، تم جمع أكثر من 200 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني، ما اعتُبر إنجازاً كبيراً في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة. هذه العلاقة الوثيقة مع الغرب أثارت حفيظة أطراف داخلية، لا سيما الإعلام المقرب من حزب الله، الذي انتقد ارتباطاته بالولايات المتحدة. رغم ذلك، نجح عون في كسب دعم حزب الله وحليفه حركة أمل، بعد لقاءات مكثفة داخل البرلمان، أدت إلى تفاهم سياسي أتاح له الأغلبية المطلوبة للفوز.
ورغم كونه شخصية عسكرية بالدرجة الأولى، فإن مسار جوزيف عون يثير تساؤلات حول قدرته على لعب دور سياسي فعّال في بلد معقد مثل لبنان. نظام المحاصصة الطائفية يضع قيوداً على أي رئيس، حيث تتداخل المصالح الحزبية والطائفية بشكل يصعب تجاوزه.
عون، الذي ينتمي إلى الطائفة المارونية، يجد نفسه أمام تحديات ضخمة تتعلق بإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني وتوحيد الرؤية الوطنية في ظل أزمات متفاقمة.
تجربته في قيادة الجيش قد تكون سيفاً ذا حدين، إذ يرى البعض أنه يمثل شخصية وطنية قادرة على تقديم مقاربة جديدة للحكم، بعيداً عن الحسابات الضيقة. في المقابل، يحذر آخرون من تكريس نمط يعتمد على تحويل قادة الجيش إلى رؤساء، ما قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
انتخاب جوزيف عون حسب الرأي العام الدوليجاء في مرحلة دقيقة تتطلب قيادة قوية ورؤية واضحة، لكن الانتقال من قيادة الجيش إلى قصر الرئاسة قد يضعه أمام معادلات أصعب مما واجهه في الميدان العسكري. قدرة عون على تحقيق التوازن بين الضغوط الداخلية والخارجية ستكون الاختبار الأكبر لرئاسته في السنوات المقبلة.

