أعلن وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو عن فتح تحقيق رسمي حول ما وصفه بـ”مخالفات خطيرة” تتعلق بتحويل مسجد باريس الكبير إلى واجهة سياسية واقتصادية تخدم مصالح النظام الجزائري.
وحسب مصادر، جاء هذا الإعلان على خلفية تحقيق استقصائي نشرته مجلة “لوبوان” الفرنسية، كشف عن تفاصيل “مثيرة” للجدل حول تحول المسجد من مكان للعبادة إلى ما يشبه “شركة تجارية” تدر أموالاً طائلة لصالح الجزائر.
تأسس مسجد باريس الكبير عام 1926، ليكون رمزًا للتعايش بين الأديان في فرنسا، لكن التحقيق الصحفي كشف أن المسجد تحول تحت إدارة عميده الحالي، شمس الدين حفيظ، إلى أداة لتعزيز النفوذ الجزائري في فرنسا.
وأشار التقرير إلى إنشاء شركة تحتكر إصدار شهادات “الحلال” للمنتجات الأوروبية المصدرة إلى الجزائر، مما يجعل المسجد طرفًا في شبكة اقتصادية معقدة تخدم مصالح النظام الجزائري.
ووفقًا للتقرير، فإن المسجد أصبح منذ تولي حفيظ منصبه في عام 2020، منصة لتعزيز النفوذ الجزائري في فرنسا، مستفيدًا من شبكة تضم حوالي 400 مكان عبادة و2.5 مليون مهاجر جزائري. بل إن مصادر فرنسية وصفت المسجد بأنه “سفارة ثانية للجزائر”، مما أثار تساؤلات حول مدى استقلالية المؤسسة الدينية عن النظام الجزائري.
وفي أول رد فعل رسمي، أكد وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو أن المسجد يجب أن يظل مكانًا للعبادة، وليس أداة ضغط سياسي أو مركزًا للتجارة.
وقال ريتايو في تصريح إذاعي: “لا يمكن السماح بتحويل مسجد إلى قنصلية أو سفارة. سنراجع جميع الظروف المحيطة بفرض ضريبة الحلال ومدى انسجامها مع القانون الفرنسي لعام 1905 الذي ينظم العلاقة بين الدين والدولة”.
من جهته، نفى شمس الدين حفيظ ما جاء في التحقيق الصحفي، ووصفها بأنها محاولات لتشويه دور المسجد، مؤكدا في تصريح لـ”لوبوان” أن أنشطته “تركز على نشر قيم الإسلام المعتدل ومحاربة التطرف، إلى جانب بناء جسور بين فرنسا والجزائر”، لكن هذه التصريحات لم تكن كافية لتهدئة الجدل المثار حول دور المسجد.
ويضاف هذا الملف إلى سلسلة الأزمات بين باريس والجزائر، والتي تفاقمت بعد استدعاء الجزائر لسفيرها في باريس، كما يعكس التحقيق حساسية العلاقة بين البلدين، خاصة في ظل اتهامات فرنسية بأن الجزائر تحاول توظيف مؤسسات دينية وثقافية لتعزيز نفوذها خارج حدودها.
وقد أشار التقرير إلى أن المسجد يعمل كقناة خلفية لتعبئة الجالية الجزائرية في فرنسا، خاصة خلال الأزمات الدبلوماسية، مثل الأزمة الأخيرة المرتبطة باعتراف باريس بمغربية الصحراء. هذه التحركات تثير تساؤلات حول مدى استقلالية المؤسسات الدينية في فرنسا عن الأنظمة السياسية في بلدانها الأصلية.
ومع استمرار التحقيقات في الأنشطة المشبوهة لمسجد باريس الكبير، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل ستفضي نتائج هذا التحقيق إلى تحرير المسجد من قبضة النظام الجزائري الذي يواصل الهيمنة عليه ويستغله لتحقيق أهداف سياسية واضحة؟ أم أن المسجد سيظل أداة في يد النظام الجزائري لتعزيز نفوذه في فرنسا؟