في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والقانونية، أعلن رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، إحالة النائبة البرلمانية ريم شباط عن حزب جبهة القوى الديمقراطية إلى لجنة الأخلاقيات.
هذا القرار جاء بعد مداخلتها خلال جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة لرئيس الحكومة، التي تطرقت فيها إلى وضعية النقل الحضري في مدينة فاس بلهجة اعتُبرت انتقادية حادة.
القرار أثار نقاشًا دستوريًا عميقًا حول حدود الاختصاصات بين البرلمان والمؤسسات المنتخبة الأخرى، خاصة أن النقل الحضري يعد من اختصاصات الجماعات الترابية وفقًا للفصلين 135 و141 من الدستور المغربي.
وأوضح رئيس مجلس النواب أن مداخلة النائبة تضمنت خرقًا لمقتضيات دستورية واضحة، مشددًا على أن الجلسات البرلمانية لا يجب أن تتجاوز اختصاصاتها أو تتدخل في مجالات تدخل ضمن صلاحيات مؤسسات أخرى، لافتا النظر إلى أهمية احترام الضوابط التي تنظم سير أشغال البرلمان، مؤكدًا أن الإحالة إلى لجنة الأخلاقيات تهدف إلى النظر في هذه الحالة وفق القوانين والنظم المعمول بها.
الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم أبليل، ترى أن هذه الواقعة تعكس تحديات كبيرة في ضبط حدود الاختصاصات بين المؤسسات، خاصة في ظل التوترات المتكررة بين المستوى التشريعي والتنفيذي والمحلي.
وأوضحت أبليل في تصريحها لجريدة “فبراير” أن قرار الإحالة قد يكون له أبعاد قانونية ومؤسساتية أكثر من كونه إجراءً تأديبيًا مباشرًا، حيث أن استخدام رئيس مجلس النواب لعبارة “إحالة الحالة” بدلًا من “إحالة النائبة” يعكس، وفق أبليل، رغبة في التركيز على معالجة الإشكالية من زاوية مؤسساتية وقانونية، بعيدًا عن أي استهداف شخصي.
الإحالة إلى لجنة الأخلاقيات، كما أوضحت الباحثة مريم أبليل، ليست مجرد إجراء تأديبي، بل خطوة نحو تدقيق الإشكالية وإعادة ضبط النقاش البرلماني بما يتماشى مع المقتضيات الدستورية والقانونية، معتبرة أن هذا القرار يبرز أيضًا التحدي الذي تواجهه المؤسسات الدستورية في التوفيق بين دور البرلمان كمنصة للتعبير عن هموم المواطنين، والتزامه بالاختصاصات التي حددها الدستور.
وبالعودة إلى النظام الداخلي لمجلس النواب نجد أنه يتيح معالجة مثل هذه الإشكالات من خلال المادة 285، التي تنص على إمكانية تحويل أي سؤال شفهي له طابع محلي إلى سؤال كتابي بعد إشعار النائب.
هذا النص حسب عدد من المهتمين بالشأن البرلماني يشير إلى أن إثارة القضايا ذات الطابع المحلي داخل الجلسات البرلمانية ليس أمرًا نادرًا، لكنه يتطلب ضبطًا دقيقًا من مكتب المجلس.
قرار الإحالة حسب نفس المهتمين يفتح أيضًا نقاشًا حول الأدوار الوظيفية للبرلمان والحدود التي يضعها الدستور لتجنب تضارب الاختصاصات بين المؤسسات، خاصة وأن الدستور المغربي يمنح الجماعات الترابية استقلالية في تدبير الشأن المحلي، ما يجعل تناول موضوع النقل الحضري داخل البرلمان إشكالية دستورية واضحة، كما أن هذا النوع من التدخلات يمكن أن يُفهم كخرق لمبدأ الفصل بين السلطات وتجاوز للحدود الدستورية.
من جهة أخرى، اعتبر البعض الآخر أن هذا القرار يسلط الضوء على أهمية تعزيز وعي النواب بالدور التشريعي والرقابي للبرلمان، والتركيز على القضايا التي تدخل ضمن اختصاصات الحكومة دون المساس بصلاحيات المؤسسات المنتخبة الأخرى.
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن اللهجة الانتقادية التي استخدمتها النائبة شباط جاءت تعبيرًا عن تذمر الشارع المحلي من خدمات النقل الحضري، ما يضع البرلمان أمام تحدٍ آخر يتعلق بقدرته على استيعاب القضايا المجتمعية الساخنة دون تجاوز للضوابط الدستورية.
يشار أن هذا القرار يعد اختبارًا لمدى قدرة مجلس النواب على ضمان احترام النظام الداخلي وضبط النقاشات البرلمانية بما يخدم المصالح الوطنية، ويعزز الثقة في المؤسسات، كما يمثل فرصة لإعادة التفكير في كيفية تنظيم العلاقة بين البرلمان والمؤسسات الأخرى، لضمان احترام القواعد الدستورية والرفع من جودة النقاش البرلماني.