في ظل الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، يعود النقاش حول واقع كرة القدم النسوية في المغرب، بين التقدم الذي تحقق في السنوات الأخيرة والتحديات البنيوية التي لا تزال تعيق تطورها. فرغم التأهل التاريخي للمنتخب النسوي إلى كأس العالم للسيدات 2023، والجهود المبذولة لدعم الاحتراف، إلا أن المشهد العام يكشف استمرار غياب سياسات رياضية قائمة على مقاربة النوع، وضعف الإقبال الجماهيري، والتغطية الإعلامية المحدودة، فضلاً عن استمرار قضايا التمييز والتحرش داخل الأندية.
وفي حديث خاص لـ”فبراير”، أكد الباحث في السياسة الرياضية حمزة الكندي أن كرة القدم النسوية في المغرب تعيش مفارقة عجيبة، حيث أن النساء المغربيات يُقبلن بشكل كبير على متابعة كرة القدم الرجالية، سواء محليًا أو دوليًا، لكن هذا الحماس لا ينعكس على دعمهن لمباريات الفرق النسوية، ما يطرح تساؤلات حول العوامل التي تفسر هذا العزوف، رغم الاستثمارات التي تم ضخها في تطوير كرة القدم النسوية.
وأشار الكندي إلى أن السياسات المتبعة حاليًا تعتمد على مساواة شكلية، تتمثل في تقديم نفس البرامج والتكوينات والدعم المادي للرجال والنساء، دون مراعاة التحديات الخاصة التي تواجهها النساء في هذا المجال، سواء على المستوى الثقافي أو المجتمعي أو الاقتصادي.
وأوضح أن كرة القدم النسوية لا يمكن أن تتطور بنفس الآليات المعتمدة في كرة القدم الرجالية، إذ تحتاج إلى مشروع رياضي متكامل يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الهيكلية والاجتماعية، ويوفر حلولًا عملية لضمان استمرارية هذه الرياضة، بدل الاكتفاء بدعم مالي محدود لا يحقق استدامة حقيقية.
ويرى الكندي أن ضعف الحضور الجماهيري والتغطية الإعلامية يعدّ من بين أبرز الإشكالات التي تعيق تطور كرة القدم النسوية، حيث لا يزال الإعلام الرياضي المغربي يتعامل معها كقطاع هامشي، دون تخصيص مساحة تحليلية للأداء الفني للفرق النسوية أو تسليط الضوء على اللاعبات.
وأضاف أن الإعلام، باعتباره عاملاً رئيسيًا في خلق شعبية لأي رياضة، لم يساهم بعد في تعزيز الاهتمام بهذه الرياضة، مما انعكس سلبًا على مستوى التفاعل الجماهيري، الذي يظل محدودًا حتى عند تحقيق إنجازات كبرى مثل التأهل إلى كأس العالم.
إلى جانب ذلك، لا تزال كرة القدم النسوية تعاني من إشكالات أكثر حساسية، مثل قضايا التحرش والتمييز داخل الأندية والمنتخبات، حيث أكد الكندي أن بعض الحالات التي خرجت إلى العلن تم التعامل معها قضائيًا، لكنه أشار إلى أن العديد من اللاعبات يخشين التبليغ عن هذه التجاوزات، خوفًا من العواقب أو فقدان مسيرتهن الرياضية، مما يبرز الحاجة إلى آليات واضحة للحماية والتبليغ.
ورغم هذه التحديات، يظل نادي الجيش الملكي النسوي نموذجًا استثنائيًا داخل كرة القدم النسوية المغربية، حيث فرض نفسه كقوة رياضية، وتمكن من التتويج بلقب دوري أبطال إفريقيا للسيدات 2022. واعتبر الكندي أن نجاح هذا الفريق يعكس أهمية الاستثمار في التكوين والبنية التحتية، داعيًا الأندية المغربية الأخرى إلى الاستفادة من هذه التجربة، بدل التعامل مع الكرة النسوية كمجرد نشاط ثانوي داخل الأندية.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت كرة القدم النسوية ستظل تعتمد على نجاحات ظرفية، أم أن هناك إرادة حقيقية لجعلها قطاعًا قائمًا بذاته، يمتلك مقومات الاستدامة والتطور.