صدر حديثاً عن “منشورات باب الحكمة” في المغرب العمل الروائي الجديد “باب إفريقيا (تقاييد البلنسي)” للكاتبة فضيلة الوزاني التهامي، الذي يُعتبر تجربة سردية غنية تنسج خيوط الذاكرة التاريخية مع هموم الإنسان اليومية.
تأتي هذه الرواية بعد نجاح روايتها السابقة “قمر فاس” التي حصدت الجائزة الأولى لشبكة القراء الشباب بالمغرب عام 2021، لتعيد الكاتبة بناء عالمها السردي عبر بوابة التاريخ المغربي المضطرب.
تعتمد الرواية بنية زمنية معقدة تتنقل بين فترتين تاريخيتين حاسمتين: الحقبة الاستعمارية الإسبانية المبكرة في القرن العشرين مع احتلال تطوان عام 1912، والعودة إلى منتصف القرن التاسع عشر خلال ما عُرف بحرب تطوان أو “الحرب الإفريقية” كما سماها الإسبان.
تنسج الكاتبة هذه الحكاية عبر صوتين سرديين؛ الأم عائشة الأندروسي وابنتها راوية موتريل، حفيدة الفقيه البلنسي صاحب المذكرات التاريخية التي تشكل العمود الفقري للرواية.
من خلال هذا التناوب السردي، تفتح الكاتبة أبواب تطوان الواحد تلو الآخر، لتحكي ليس فقط تاريخ المدينة السياسي والعسكري، بل أيضاً تاريخها الإنساني المختبئ في زوايا البيوت وخلف جدران الأسوار.
تبرز حكايات النساء المهمشات، وآثار الحرب التي لم تقتصر على الخسائر المادية بل امتدت إلى النفوس والعلاقات الاجتماعية والنسيج الثقافي للمدينة. تنتهي الأحداث بموقف درامي مفتوح، حيث تقف الساردة راوية على أبواب تطوان المحتلة للمرة الثانية تحت مسمى “الحماية”، في مشهد يرمز إلى حالة الانتظار واللايقين التي عاشها المغاربة خلال تلك الحقبة.
تقدم الرواية في فصولها الأولى لوحة حية لأجواء الذعر التي سبقت الاجتياح الإسباني، كما يظهر في المشهد الذي يصف هروب العائلة من دارهم تحت وطأة الخوف من المدافع، حيث تتحول المدينة إلى فوضى من الصرر المعلقة والأطفال المذعورين.
تصور الكاتبة بحرفية عالية حالة العجز التي شعر بها السكان أمام التهديد الخارجي، والتناقض بين تمسكهم بالأمل في مناعة أسوار مدينتهم وبين واقع الهزيمة المريرة.
تمثل الرواية إضافة نوعية للأدب المغربي المعاصر، حيث تنجح الكاتبة في توظيف التاريخ ليس كخلفية فحسب، بل كشخصية فاعلة في النص.
تقدم فضيلة الوزاني التهامي من خلال هذا العمل رؤية نقدية للتاريخ الرسمي، معيدة الاعتبار للروايات الصغيرة المنسية ولصوت المرأة المغربية التي عانت ويلات الحرب والاستعمار كما عانى الرجل، إن لم تكن أكثر.