في تشخيص حاد للوضع المائي والفلاحي بالمغرب، وصف الخبير الاقتصادي، نجيب أقصبي، السياسات التي اتبعها المغرب في المجال المائي على مدى عقود بأنها “سياسات إجرامية”، محملاً إياها مسؤولية كارثتين تواجهان البلاد حالياً: ضياع المخزون المائي وفقدان السيادة الغذائية.
خلال مشاركته في الجامعة الربيعية لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بمدينة الجديدة (18-20 أبريل 2025)، أكد الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أن المغرب يكرر “السيناريو نفسه” منذ جفاف بداية الثمانينيات، مشيراً إلى نمط متكرر: “تعبئة على جميع الأصعدة للحد من آثار الجفاف، وإطلاق مخططات وبرامج عديدة، وبمجرّد هطول المطر، ننسى كل شيء وإلى جفاف مقبل”.
وحذر الخبير من الاطمئنان بعد التساقطات المطرية الأخيرة، موضحاً أن “مغرب بداية الثمانينيات ليس هو مغرب اليوم”، مشدداً على أن “التغير المناخي الذي وقع لا رجعة فيه” وأن الحلول المطروحة حالياً مثل تحلية مياه البحر والطرق السيارة للمياه “لن تعوّض النقص الذي حصل في الموارد المائية”.
وأشار أقصبي إلى أن بداية الانحراف في السياسات المائية والفلاحية تعود إلى بداية الثمانينيات مع برامج التقويم الهيكلي، حيث بدأ انسحاب الدولة والاندماج في السوق الدولية.
وأوضح أن الاستثمار في السدود الكبرى، رغم ضرورته، أدى إلى “تركيز إمكانيات هائلة في مجال محدود” لا يغطي سوى 15% من الأراضي الزراعية، مع تهميش بقية العالم القروي، إضافة إلى اعتماد نظام سقي غير فعال أدى إلى ضياع 45% من المياه بسبب التبخر.
ولفت الخبير الانتباه إلى التحول الخطير الذي حدث عندما بدأت الدولة تشجع، عبر صندوق التنمية الفلاحية (1986)، تجهيز الأراضي الفلاحية بأنظمة السقي ودعم حفر الآبار واستهلاك غاز البوتان، مما أدى إلى استنزاف الفرشة المائية.
واعتبر أن مخطط المغرب الأخضر لم يكن سوى “تتويج لهذا المسار”، حيث لم يتطرق في بدايته إلى إشكالية الموارد المائية.
وللخروج من هذه الأزمة، دعا أقصبي إلى “مراجعة الاختيارات الفلاحية بشكل شامل”، لتراعي عنصري الموارد المائية والسيادة الزراعية، مركزاً على ضرورة اختيار المنتجات التي تلبي الحاجيات الداخلية أولاً، مختتماً بقاعدة أساسية: “بالنسبة للسيادة، هناك دائما كلفة لكن ليس لها ثمن”.