“يخجل هذا اللقاء حول كتابي، لو يخجل الموت قليلاً، بهذه العبارة الموغلة في التأمل، استهل الكاتب والصحفي عبد العزيز كوكاس حديثه لـ”فبراير.كوم”، كاشفًا عن خبايا مؤلفه الجديد “لو يخجل الموت”، الذي وصفه بأنه “أغنية للغائبين، ومرآة تُهيّئنا بهدوء لاستقبال الغياب دون فزع.”
الكتاب لا يُقارب الموت من منطق الرثاء، بل ينحاز إلى حوار داخلي مع الفناء ذاته، محاولة جريئة لتجريده من سطوته المخيفة، ومن تحويله إلى لحظة طردٍ نهائي من الحياة. في هذا العمل، ينسج كوكاس خيوط صداقة مع مفكرين وإعلاميين وسياسيين رحلوا عن عالمنا، لكنهم ما زالوا يسكنون ذاكرته ووجدانه. من بينهم: عبد الشبار الصيّمي، محمد عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، محمد سبيلا، محمد الصايل… وغيرهم ممن تركوا أثرًا في مسيرته الفكرية والإنسانية.
“هذا الكتاب أرثيه لنفسي قبل الأوان”، يقول كوكاس، في اعترافٍ شفيف، لا ينمّ عن يأس، بل عن شجاعة نادرة في مواجهة الموت كجزء من الحياة. إنه لا يريد أن يؤخذ على حين غفلة، ولا أن يفقد صوته تدريجياً، بل أن يموت بكامل لغته، واقفًا على عتبة المعنى، لا ممددًا في عجز الصمت.
ومن المنتظر أن تدير الإعلامية سعاد الزعتراوي هذا اللقاء الأدبي المرتقب، حيث ترى فيه تجربة فكرية وعاطفية تستحق أكثر من مجرد تقديم عابر. فبقراءتها المتأنية، وعمقها الإعلامي، يُعوّل كوكاس على الزعتراوي في سبر أغوار هذا العمل، بل وربما كشف ما لم يكن ظاهرًا حتى للمؤلف نفسه.
عنوان الكتاب – “لو يخجل الموت” – لا يخلو من التحدي، بل هو، في جوهره، استدعاء أخلاقي للموت: أن يتحلى بقليل من الحياء، ألا يباغت من يمنحون الحياة معناها، وأن يدع الرداءة ترحل أولاً. إنها صرخة مضمرة ضد عبثية الموت الذي يختار أحيانًا أن يقطف الأجمل، ويترك من لا حياة فيهم.
ولأن الحزن وحده لا يكفي، ولأن الرثاء قد يتحول إلى مرآة للذات، لا يقدّم كوكاس كتابه كمرثية، بل كـ”أغنية جنائزية” فيها شيء من العزاء الإبداعي. كأنّه يودّ أن يسمع الغائبون إيقاع وداعهم وهم في رحلتهم الأخيرة، لا بصمت مهيب، بل بنغمة شجن، تطرب الأرواح وتواسي من بقوا.
في حديثه، لم يُخفِ كوكاس أثر المحيط الثقافي والإنساني عليه، مؤكدًا أن وفاء القرّاء، ودعم الأصدقاء، هو ما يمنحه الدفء اللازم للاستمرار. “لو يخجل الموت”، في نهاية المطاف، ليس كتابًا عن النهاية، بل عن المعنى، عن القيمة، عن لحظة الوعي التي تسبق الفقد، وتؤسس لمصالحة هادئة مع الغياب.