أكد الكاتب والمفكر المغربي حسن أوريد أن قضايا الهوية ليست مجرد نقاشات أكاديمية منعزلة، بل هي في صميم العمل السياسي المعاصر، ولها تداعيات أمنية خطيرة لا يمكن إغفالها. وشدد أوريد على أن هذه القضايا عابرة للمجتمعات، فلا يخلو منها مجتمع سواء كان غربياً متقدماً أو من دول الجنوب، وتختلف تجلياتها باختلاف الزمان والسياق والثقافة السياسية السائدة.
واستشهد أوريد، في معرض حديثه، بأمثلة دولية حديثة لتوضيح مركزية قضايا الهوية، مشيراً إلى الجدل الذي أثاره مؤرخ جزائري وما تبعه من إجراءات، واللقاء الأخير بين الرئيسين الأمريكي والجنوب أفريقي حيث أشار الأول إلى ما قد يتعرض له “البيت الأبيض” من اعتداءات، وكذلك التقرير الفرنسي حول “الإسلام السياسي” وتداعياته المحتملة على الهوية الفرنسية. كل هذه الأحداث، برأي أوريد، تؤكد أن الهوية باتت قضية سياسية بامتياز، بل وأكثر من ذلك، ذات مضاعفات أمنية.
ودعا أوريد إلى معالجة هذا الموضوع الشائك “علمياً وفق مقاربة موضوعية أو ما يسمى بالحياد المعرفي الأكسيولوجي” حسب مصطلح عالم الاجتماع ماكس فيبر. ورغم ذلك، أقر بأن مصطلح “الهوية” نفسه حديث نسبياً ويفتقر إلى العمق التاريخي الذي تتمتع به مفاهيم أخرى كـ”الطبقة” أو “الأمة” أو “الدولة”. بل إن فيبر نفسه، كما ذكر أوريد، كان يرفض هذا المصطلح معتبراً إياه غير دقيق ومنافياً لسعي المجتمعات نحو “العقلنة”، مفضلاً التركيز على التوجه نحو العقلانية الذي يقلل من شأن الخصوصيات.
وتطرق المفكر المغربي إلى الجدل اللغوي حول تبني اللغة العربية لمصطلح “الهوية”، الذي قد يحيل إإلى “الغائب”، بينما الأصل اللاتيني (عبر الفرنسية “identité”) يشير إلى “الأنا” أو الذات. وأشار إلى أن العديد من اللغويين كانوا يفضلون مصطلحات مثل “الذاتية” أو “الشخصية”، وهو المصطلح الذي استخدمه مفكرون عرب كبار مثل طه حسين في “مستقبل الثقافه في مصر” وعلال الفاسي في “النقد الذاتي” وجمال حمدان في كتابه عن “شخصية مصر”. ورغم هذا “الخطأ اللغوي” المحتمل، اكتسب مصطلح “الهوية” قوة إجرائية في اللغة العربية وأصبح يفيد المعنى المتداول عالمياً.
وأوضح أوريد أن مصطلح الهوية فرض نفسه بقوة، خاصة في ثمانينيات القرن الماضي، وشهد ما أسماه “انزياحاً مفاهيمياً” حاسماً بعد سقوط جدار برلين.
ففي هذه اللحظة المفصلية، “حلت الهوية محل الطبقة، والمحدد الثقافي محل المحدد الاقتصادي”. هذا التحول، بحسب أوريد، كان له دور محوري في انسلاخ دول أوروبا الوسطى والشرقية (مثل بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا) عن هيمنة الاتحاد السوفيتي، مشيراً إلى كتاب ميلان كونديرا “الغرب المختطف” كمرجع يشرح هذه البواعث الثقافية العميقة التي دفعت تلك الدول للبحث عن هوياتها الخاصة.
وانتقل أوريد للحديث عن السياقات التي يبزغ فيها “الطلب الهوياتي” أو خطاب الهوية، مستشهداً بكتاب أمين معلوف “الهويات المتناحرة”. وأكد أن هذا الخطاب يظهر بشكل جلي “حينما تكون مجموعة معينة عرضة إما للاضطهاد أو التضييق أو الاحتقار أو التهميش”. وقد تكون هذه المجموعة دينية (كاليهود تاريخياً في أوروبا، أو المسلمين حالياً في أوروبا أو الهند)، أو عرقية (كمجموعات تعرضت للترحيل أو التمييز أو لم يُعترف بها)، أو لغوية (كلغات مهددة بالاندثار كالكردية أو الأمازيغية، ويتعرض أصحابها للازدراء)، أو حتى منطقة جغرافية مهمشة ذات خصوصية ثقافية (مثل كورسيكا أو بروتاني في فرنسا).
وأشار إلى أن هذا التضييق قد يتخذ أشكالاً قانونية صريحة، كما في نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا سابقاً، أو المجتمعات المستعمرة، أو قانون القومية في إسرائيل الصادر عام 2018. وفي أحيان أخرى، قد لا يستند التضييق إلى نصوص قانونية مباشرة، بل إلى ممارسات مجتمعية راسخة، حتى في ظل وجود قوانين تجرم التمييز، كما كان الشأن بالنسبة للسود في الولايات المتحدة بعد إقرار قانون الحقوق المدنية عام 1965.
وفي مواجهة هذه الأوضاع، يظهر ما أسماه أوريد “الفاعل الهوياتي”، الذي غالباً ما يكون مثقفاً في البداية، قبل أن ينتقل الأمر إلى الحراك الجمعوي. يقوم هذا الفاعل ببناء خطاب هوياتي استناداً إلى عناصر موضوعية كاللغة أو العرق أو الدين. وشدد أوريد في ختام تحليله على أن “كل الخطابات الهوياتية هي بناء بالأساس”، وقد تتجاوز إلى “تفكيك بنية الخطاب المهيمن”، كما فعل فرانز فانون في تحليله لخطاب المستعمر.