الصحراء المغربية.. ألمانيا أمام مفترق طرق بين الحياد الحذر والدعم المؤثر
تعود قضية الصحراء المغربية لتفرض نفسها بقوة على الأجندة الدبلوماسية بين أوروبا والمغرب، فبينما تحظى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها الرباط عام 2007 بدعم متزايد من قوى غربية كبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة مؤخراً، باعتبارها “جدية وذات مصداقية” وفقاً لتقييمات أممية متكررة، يظل الموقف الأوروبي الموحد هدفاً بعيد المنال، وتلعب ألمانيا دوراً محورياً في تحديد ملامحه المستقبلية.
رغم إعراب ألمانيا في مناسبات عدة عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، كان آخرها البيان المشترك الصادر في 28 يونيو 2024 الذي وصف المبادرة بأنها “مجهود جدي وذي مصداقية وأساس جيد للتوصل إلى حل متوافق عليه”، إلا أن هذا الدعم لم يرقَ بعد إلى مستوى المواقف الصريحة التي تبنتها عواصم أوروبية أخرى. زيارة وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك للمغرب في أغسطس 2022، والتي أكدت “تطابق وجهات النظر” حول قضية الصحراء وملفات إقليمية أخرى، مثّلت خطوة إيجابية بعد فترة توتر شهدتها العلاقات الثنائية في ربيع 2021.
لكن الصمت الرسمي الألماني تجاه إعلان لندن دعمها الصريح للمبادرة المغربية أثار تساؤلات واسعة. المحلل السياسي جاد مدني يعزو هذا التحفظ إلى عدة أسباب: تراجع أولوية ملف الصحراء في أجندة برلين المثقلة بالحرب في أوكرانيا والتوتر مع روسيا، وغياب ضغط برلماني ألماني (البوندستاغ) فعال في هذا الملف، فضلاً عن ميل ألمانيا التقليدي للحذر في التعليق على مواقف أحادية لدول أخرى.
في موازاة الحذر الدبلوماسي، تشهد العلاقات الاقتصادية بين المغرب وألمانيا ازدهاراً لافتاً قد يشكل مدخلاً لتطور الموقف السياسي. ففي صيف 2023، أعلن بنك التنمية الألماني (KfW) عن تمويل مشروع استراتيجي لإنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب بقيمة 300 مليون يورو. كما تساهم الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في تمويل مشاريع تحلية مياه البحر بالمغرب بقيمة تناهز 700 مليون يورو.
الأهم من ذلك، تشير مصادر دبلوماسية من برلين إلى أن الحكومة الألمانية لم تعد تمانع استثمار شركاتها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يمثل تحولاً تدريجياً هاماً في الموقف الرسمي.
ويرى خبراء أن “ألمانيا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي رحبت بالمبادرة المغربية بشكل غير مباشر منذ نهاية عام 2021”.
كما يؤكد مراقبون أن أمام المغرب فرصة لاستثمار هذا الزخم الاقتصادي لتعزيز حضوره السياسي في ألمانيا عبر “بناء شبكات مؤسساتية وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية”، فبعض النواب المؤثرين في البوندستاغ أبدوا اهتماماً فردياً بالملف، لكن غياب تنسيق ممنهج يحول دون بلورة موقف رسمي داعم.
من جانبه، يحذر المحلل الألماني فرانك تسِل من أن “الحياد الألماني في هذا الملف، رغم شرعيته الدبلوماسية، قد يُضعف من قدرة برلين على لعب دور ريادي في شمال إفريقيا”، خاصة مع تصاعد نفوذ لاعبين دوليين آخرين كالصين وروسيا.
وفي هذا السياق، يشير الصحفي هانس-كريستيان ريسلر في تحليل نشرته “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” (في إشارة إلى مقال بتاريخ 3 يونيو 2025)، إلى أن “الجزائر تبدو في عزلة متزايدة… بينما يتقدم المغرب بخطى ثابتة نحو تعميق علاقاته مع الغرب”، مما يجعله “شريكًا موثوقًا لبرلين”.
رغم غياب الإجماع الأوروبي حالياً، تتزايد المؤشرات على تحول تدريجي نحو موقف أكثر تماسكاً يدعم الحل السياسي الواقعي الذي تقترحه الرباط. ويبقى الموقف الألماني، بثقله السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي، حاسماً في هذا المسار.
ويجمع خبراء ألمان في الشأن المغاربي على أن رهان المغرب يجب أن يرتكز على تكثيف التحركات الدبلوماسية والبرلمانية، وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي، لإقناع صناع القرار في برلين بأن الانتقال من الحياد الحذر إلى الدعم الفعلي لمبادرة الحكم الذاتي لا يخدم المصالح المغربية فحسب، بل يصب أيضاً في مصلحة الاستقرار الإقليمي وشراكة أوروبية-مغاربية استراتيجية ومثمرة.