السليمي يشخّص أزمة “المعنى” والتحولات العميقة في السياسة المغربية
في مداخلة تحليلية لافتة خلال ندوة نظمتها مؤسسة الفقيه التطواني، قدّم الأستاذ الجامعي والخبير في العلوم السياسية، عبد الرحيم منار السليمي، تشخيصاً دقيقاً لواقع السياسة في المغرب. وركّز السليمي على “سؤال المعنى” الذي يكتنف الممارسة السياسية في لحظة حاسمة يعاد فيها النظر في أدوار السياسي ومهامه وصورته، متسائلاً عما إذا كانت السياسة اليوم بحاجة إلى إعادة تأسيس ثقافي أم مجرد تجديد لأدواتها.
استهل الأستاذ السليمي مداخلته بالتأكيد على الصعوبة المتأصلة في تعريف مفهوم “السياسة”، الذي يواجه في كثير من الأحيان رفضاً شعبياً، يصل أحياناً إلى الخلط بين دارس علم السياسة والفاعل السياسي.
وأرجع هذا الرفض إلى عوامل نفسية وثقافية متجذرة، منها موروثات شعبية تحذر من الانخراط في السياسة. كما انتقد تبسيط بعض الأكاديميين للمفهوم، مما يفقده عمقه، متناسين أن السياسة هي بالأساس قواعد للحكم مبنية على تمثيليات وشرعيات وتنظيم.
وتناول السليمي العلاقة الإشكالية بين الدولة والمجتمع في المغرب، واصفاً المشهد الراهن بينهما بـ”العاطفي” وسريع التحول، وأحياناً نحو العنف. وأشار إلى وجود صورتين للدولة: “الدولة العميقة” بأجهزتها الثابتة ومصالحها الراسخة، و”الدولة المتحولة المتغيرة”، متسائلاً عن طبيعة الانسجام أو التنافر بينهما. وأعرب عن أسفه لغياب الدراسات الحديثة حول الثقافة والسلوك والتنشئة السياسية في السياق المغربي الراهن.
وأوضح الخبير السياسي أن الفضاء السياسي المعاصر أضحى “معقداً” بشكل ملحوظ، بفعل تعدد الفاعلين والتمثيليات، حيث يسعى كل طرف إلى إنتاج شرعيته وإيديولوجيته الخاصة، فيما يشبه “تذرر الأيديولوجيات” الذي تحدث عنه ميشيل مافيسولي. هذا التعقيد يطرح تساؤلات جدية حول قواعد اللعبة السياسية الراهنة، وهل شهدت تغييراً، ومن هم الفاعلون الجدد المؤثرون فيها.
كما تطرق السليمي إلى التحول في “صناعة السياسي” في المغرب، فبعد أن كانت فئات رجال التعليم والمحامين هي الأكثر حضوراً، تبعهم التكنوقراط، ليشهد المشهد الحالي بروز رجال الأعمال ومسيري الشركات. وانتقد تحول “السياسي” من كونه “مساراً” يتطلب تكويناً وخبرة، إلى مجرد “ماركة” يمكن لأي كان ادعاؤها. ولفت الانتباه إلى النقص الحاد في الدراسات التي ترصد التحولات المجتمعية العميقة، خصوصاً بعد جائحة كورونا، وتأثيراتها على الفرد والقيم والطلبات المجتمعية، وكيف تتفاعل السياسة مع هذه المستجدات.
ومن بين الخلاصات الهامة التي طرحها، تشخيص “سياسة بدون بحث علمي”، حيث أصبح الأكاديمي في بعض الأحيان تابعاً للسياسي بدلاً من أن يكون موجهاً ومستشرفاً. ولاحظ أيضاً تراجع النقاشات الفكرية الكبرى التي سادت في مراحل سابقة، كمفهوم “العقد الاجتماعي الجديد” أو “الانتقال الديمقراطي”، مشيراً إلى أن طبيعة الحركات الاحتجاجية وتعبيرات “الشارع” تتطور باستمرار، وأن صمت الشارع قد يكون مؤشراً على مرحلة بالغة الصعوبة.
وفي ختام مداخلته، طرح الأستاذ منار السليمي خيارين أساسيين لمستقبل الممارسة السياسية في المغرب: إما العودة إلى “إشكالية الإصلاح السياسي” بهدف إعادة تنظيم الدخول إلى الحقل السياسي بصيغ جديدة، أو العمل على “بناء سياسة تنتج الأمل” للمواطنين، مستشهداً بإمكانية استثمار أحداث كبرى، كاستضافة المونديال، لخلق آمال سياسية يمكن البناء عليها. وأكد أن الأحزاب التقليدية قد لا تكون قادرة على التحرك بالآليات القديمة نفسها، مختتماً بالتساؤل عن كيفية “إعادة تحريك” دواليب الحياة السياسية في ظل تعدد المفاهيم والتصورات الفردية للسياسة.