أثار قرار وزارة الداخلية بإعفاء والي جهة فاس–مكناس، معاذ الجامعي، ووالي جهة مراكش–آسفي، فريد شوراق، من مهامهما بشكل مفاجئ، جدلا واسعا حول خلفيات الخطوة ودلالاتها القانونية والسياسية، خصوصًا وأنها جاءت ساعات فقط بعد ظهورهما في مشاهد مصورة يشرفان فيها على نحر أضاحي العيد، رغم التعليمات الرسمية بعدم إقامة شعيرة الذبح في الفضاءات العمومية هذا العام.
القرار، الذي أعقب توجيهات ملكية صريحة بتعليق هذه الشعيرة لأسباب ظرفية مرتبطة بندرة القطيع ومحدودية العرض الوطني، لم يكن مجرد إجراء إداري تقني، بل حمل في طياته إشارات سيادية حازمة بخصوص من له الحق الحصري في ممارسة الشعائر الكبرى ذات الرمزية الدينية والدستورية.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في العلوم القانونية والسياسية، عماد الحبيش، أن الحادثة تسائل جوهر العلاقة بين ما هو ديني وسياسي في النظام الدستوري المغربي، قائلا إن “الفصل 41 من الدستور يمنح الملك، بصفته أمير المؤمنين، سلطة دينية لا تنازع، ذات طبيعة روحية وسيادية في آن واحد. لا يتعلق الأمر بمجرد رمز ديني، بل بسلطة فعلية تشمل الإشراف على العلماء، وضمان وحدة المذهب، وتنظيم الشعائر الكبرى وعلى رأسها عيد الأضحى”.
ويؤكد الحبيش أن شعيرة الذبح في عيد الأضحى تحمل في المغرب دلالة مزدوجة: دينية من حيث الأصل، وسياسية من حيث الاختصاص، مضيفا أن “كل ما يصدر عن المؤسسة الملكية في هذا المجال ليس فعلا تعبديا فحسب، بل ممارسة لسلطة دينية سيادية لا تقبل التقليد ولا التفويض”. وبالتالي، فإن قيام مسؤولي الإدارة الترابية بذبح الأضحية أمام العموم، ولو بحسن نية، “يشكل تعديا على وظيفة سيادية محصورة، ويخرق مبدأ دستوريا واضحا”.
ويستند الباحث في تحليله أيضا إلى الفصل 42 من الدستور، الذي يجعل من الملك “رئيس الدولة ورمز وحدتها وضامن استمراريتها”، ليفسر أن هذا الدور المزدوج للملك – الديني والسياسي – يعني أن كل مظهر من مظاهر ممارسة الشأن الديني على المستوى الرسمي هو امتداد لسلطة مركزية لا يمكن محاكاتها محليا، تحت طائلة المساس بهيبة المؤسسة الملكية.
ويرى الحبيش أن الإعفاء جاء “لتجديد التذكير بكون الشأن الديني ليس مجالا للاجتهاد الإداري، بل نظام دستوري مضبوط، يستند إلى تراتبية روحية وسياسية لا تقبل الالتباس”، مؤكداً أن “ممارسة الطقوس الدينية من قبل مسؤولين محليين بطريقة تحاكي المؤسسة الملكية تضعف من رمزية المرجعية الدينية الموحدة، وتشوش على استقرار النموذج المغربي في تنظيم السلطة”.
قرار الإعفاء إذن لا يعكس فقط رد فعل على تجاوز بروتوكولي، بل يندرج ضمن تثبيت توازنات دقيقة بين ما هو روحي وإداري، في دولة تجعل من المؤسسة الملكية ناظمة عليا للشأن الديني وضامنة لاستمراريته، وفقاً لما رسّخه الدستور في الفصلين 41 و42.
وفي خلفية هذه الخطوة، تبرز رسالة واضحة مفادها أن المجال الديني بالمغرب ليس فقط مؤطرا بالشرعية الدينية، بل أيضا محكوم بمنطق السيادة الدستورية التي لا تقبل التجزيء أو التقليد.