صوت النساء في السياسة المغربية: مشاركة حقيقية أم تزيين للديمقراطية؟
في العقود الأخيرة، شهد المغرب تقدمًا ملحوظًا في تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة، بفضل آلية الكوطا التي ضمنت لهن مقاعد مخصصة في البرلمان والمجالس المحلية.
ومع ذلك، يثار سؤال جوهري في كل استحقاق انتخابي: هل هذا التقدم الكمي يعكس فعلًا مشاركة نسائية فاعلة في صنع القرار، أم أنه مجرد حضور رمزي يهدف إلى تحسين الصورة الديمقراطية للدولة؟
آلية “الكوطا” جاءت كإجراء تصحيحي لواقع إقصائي مزمن، إذ فتحت الباب أمام نساء كثيرات لدخول عالم السياسة، خصوصًا في ظل هيمنة ذكورية طالما ميزت المشهد الحزبي، غير أن هذا الإجراء لا يخلو من انتقادات، خصوصًا عندما تتحول “الكوطا” إلى غاية بحد ذاتها، وتُستخدم كأداة لملء فراغات شكلية بدل أن تكون مدخلا لإشراك نساء مؤهلات وقادرات على التأثير.
وفي كثير من الحالات، يتم ترشيح نساء ضمن لوائح الكوطا بناءً على اعتبارات حزبية أو علاقات شخصية، دون تمكين فعلي أو إدماج حقيقي في مراكز القرار، ما يؤدي إلى وجود نساء في مواقع انتخابية لا يتوفرن دائمًا على الشروط السياسية والمعرفية الضرورية للعب أدوار
رغم وجود النساء في المجالس المنتخبة، إلا أن عددًا كبيرًا منهن يجدن أنفسهن في مواقع ثانوية لا تسمح لهن بالمساهمة في اتخاذ القرارات الحاسمة. وفي أحيان كثيرة، يتم تهميشهن داخل اللجان أو إقصاؤهن من التسيير، مما يفرغ مشاركتهن من مضمونها.
هذا الوضع يُطرح بإلحاح على مستوى المجالس الجماعية، حيث تكون سلطة القرار مركّزة في يد عدد محدود من المنتخبين الرجال، بينما تُسند إلى النساء أدوار استشارية أو تمثيلية شكلية، دون صلاحيات حقيقية.
لا يمكن الحديث عن ضعف المشاركة النسائية دون استحضار السياق الثقافي والمجتمعي، فالنظرة التقليدية للمرأة ما تزال حاضرة بقوة، سواء داخل الأحزاب أو في الشارع. وهي نظرة ترى أن السياسة “عالم رجالي” يتطلب حضورًا صارمًا ومواجهة مباشرة، وهي خصائص لا تُشجع النساء غالبًا على الانخراط الفعلي، أو تجعل مشاركتهن محل تشكيك.
الخطاب المجتمعي ما زال يُحمّل النساء مسؤوليات أسرية ومجتمعية تحدّ من تحررهن المهني والسياسي، مما يؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، أو التخوف من خوض تجربة انتخابية تكون فيها المرأة عرضة للنقد الشخصي بدل تقييم البرنامج أو الأداء.
لقد كشفت التجربة المغربية أن تمكين النساء لا يمكن أن يتحقق فقط عبر تخصيص مقاعد انتخابية، بل يجب أن يُرافق ذلك بتكوين مستمر، ودعم سياسي واضح، وتغيير جذري في العقليات الحزبية والمجتمعية.
هناك حاجة إلى الانتقال من منطق التمثيل العددي إلى منطق الكفاءة والفعالية.
دعم النساء داخل الأحزاب ينبغي أن يتجاوز الدعاية، ليصبح مشروعًا مؤسساتيًا للتأهيل والتأطير.
كما أن السياسات العمومية يجب أن تُعيد النظر في معايير إشراك النساء، ليس فقط عبر المناصب، بل أيضًا من خلال بناء بيئة تمكينية حقيقية.
رغم ما تحقق من مكاسب، تبقى مشاركة النساء في السياسة المغربية رهينة لمعادلة غير متوازنة بين الشكل والمضمون. وبينما تَعدّ الديمقراطية التمثيلية حضور المرأة شرطًا أساسيًا لشرعية المؤسسات، فإن الممارسة الواقعية ما زالت تحتاج إلى الكثير من الجرأة والتغيير، حتى يتحول هذا الصوت النسائي من مجرد حضور رمزي، إلى قوة اقتراح وتأثير حقيقي في القرار السياسي.