في تأكيد على الإرادة السياسية القوية للمملكة المغربية لحماية موروثها الحضاري، شدد وزيرا العدل، عبد اللطيف وهبي، والشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، على أن المغرب اتخذ خطوات حاسمة لتحصين ممتلكاته الثقافية من جرائم التهريب والاتجار غير المشروع، وذلك عبر تعزيز الترسانة القانونية وتقوية قدرات أجهزة إنفاذ القانون، بالتوازي مع تعميق التعاون الدولي.
جاء ذلك خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي حول “دور هيئات الجمارك في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية”، الذي انطلقت أشغاله الإثنين بمقر منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) بالرباط، ويستمر حتى الخامس من يوليوز المقبل.
وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، رسم ملامح الاستراتيجية الوطنية لمواجهة هذه الظاهرة، مؤكداً أن تفعيل القوانين يقتضي بالدرجة الأولى “تعزيز قدرات الفاعلين المؤسساتيين”، وخص بالذكر أجهزة الجمارك التي “تضطلع بدور هام في مواجهة تهريب القطع الثقافية عبر المنافذ الحدودية”.
وأوضح وهبي أن هذه الجهود تشمل كذلك المؤسسات القضائية والأمنية وباقي الإدارات المعنية، مشيراً إلى ضرورة “تعميق مدارك أجهزة إنفاذ القانون وتقوية قدراتها لامتلاك المهارات اللازمة للتنزيل الأمثل للمقتضيات القانونية”.
ونظراً للطبيعة العابرة للحدود لهذه الجرائم، التي تتم غالباً في إطار “عصابات ومنظمات إجرامية منظمة”، دعا الوزير إلى تفعيل “آليات التعاون القضائي الدولي في شقه القضائي والأمني”، واستخدام تقنيات بحث خاصة لمواجهة الأساليب الاحترافية للمهربين.
ولم يفت وهبي التذكير بالمسار التشريعي الطويل للمغرب في هذا المجال، الذي بدأ منذ عام 1912، وتُوِّج مؤخراً بصدور “القانون رقم 33.22 المتعلق بحماية التراث”، الذي وصفه بأنه “جاء بمقتضيات حديثة ومتطورة” تهدف إلى الحد من حالات الإفلات من العقاب.
من جانبه، قدّم وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، توصيفاً عميقاً لخطورة هذه الجريمة، معتبراً إياها “عملاً تخريبياً يمس الذاكرة الجماعية للشعوب”، وليس مجرد جريمة اقتصادية.
وأكد بنسعيد أن المملكة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس الذي يولي أهمية خاصة للتراث، “تدرك القيمة الاستثنائية للممتلكات الثقافية”، التي لا تمثل قطعاً أثرية فحسب، “بل هي شهادات حية على حضارات متعاقبة، وذاكرة مشتركة للإنسانية”.
وشدد على أن شبكات الجريمة المنظمة تستغل الصراعات والفراغات القانونية لنهب هذه الكنوز، مما “يقوي الإرهاب والجريمة المنظمة، ويعرقل جهود التنمية المستدامة”.
في هذا السياق، استعرض بنسعيد الإجراءات الاستباقية التي اتخذها المغرب، ومنها ملاءمة التشريعات الوطنية مع اتفاقية اليونسكو لعام 1970، وتكثيف جهود رقمنة وجرد الممتلكات الثقافية، وتفعيل القانون الجديد لحماية التراث.
وعلى المستوى العملياتي، أشار إلى التركيز على “تقوية قدرات الأجهزة الأمنية والقضائية” بالتعاون مع المنظمات الدولية الشريكة. وكمثال على نجاح هذه المقاربة، ذكر الوزير عمليات استرجاع ممتلكات ثقافية تمت بتعاون وثيق مع دول صديقة كالولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الشيلي.
واختتم بنسعيد كلمته بدعوة دولية واضحة إلى “تضييق الخناق على الأسواق السوداء وتشديد الرقابة على المزادات الفنية”، ودعم الدول المتضررة من النزاعات، مع ضرورة استغلال التكنولوجيا الحديثة كالذكاء الاصطناعي وتقنية “بلوكتشين” لتوثيق وتتبع أثر القطع الثقافية، وقطع الطريق على المهربين.