مرة أخرى، يثبت النظام الجزائري أن عداءه للمغرب لا تحكمه الأعراف الدبلوماسية أو الخلافات السياسية، بل تحركه عقد نفسية عميقة تتجلى في تصرفات “صبيانية” تثير السخرية أكثر من الغضب.
فما أقدم عليه الاتحاد الجزائري لكرة القدم مؤخراً، من خلال بتر اسم “المغرب” من الشعار الرسمي لبطولة كأس أمم إفريقيا للسيدات المقامة على الأراضي المغربية، ليس مجرد حادث عابر، بل هو عرض جديد من أعراض مرض سياسي مزمن أصاب الجزائر تجاه كل ما هو مغربي.
هذه الخطوة ليست إلا فصلاً جديداً في رواية طويلة من الحقد، تتجاوز حدود المنطق لتدخل في نطاق الهوس. ولعل أبلغ تعبير عن هذا الواقع هو تلك المزحة المغربية الذكية التي تقول إن الجزائر تفكر جدياً في تغيير اسم “صلاة المغرب”، ليس لسبب ديني، بل لعدم قدرتها على تحمل تكرار اسم “المغرب” خمس مرات يومياً في الأذان. هذه الطرفة، على بساطتها، تختزل حالة مرضية مستعصية على الفهم، وتنكر أبسط الروابط التاريخية والثقافية والدينية التي تجمع الشعبين الشقيقين.
وفي الوقت الذي يصر فيه النظام الجزائري على إذكاء نيران العداوة حتى في ميادين الرياضة، التي يُفترض أن تكون جسراً للتقارب، يأتي الرد المغربي على لسان فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي أكد استعداد المملكة لاستضافة المنتخب والجماهير الجزائرية في كأس أمم إفريقيا 2025 بكل حفاوة وترحيب. موقف يعكس قيماً متجذرة في الكرامة والضيافة المغربية، ويضع سلوكيات الجارة الشرقية في حجمها الحقيقي: محاولة يائسة لتعريف الذات عبر تقزيم الآخر.
لقد حوّل النظام الجزائري، وتحديداً نظام “شنقريحة”، وسائل إعلامه الرسمية إلى مسرح يومي لبث السموم وتشويه الحقائق ونسج المؤامرات الوهمية. أصبحت الصحف والقنوات الجزائرية منابر لتصريف غيرة مرضية من كل إنجاز مغربي، حيث يرى حكام الجزائر في كل نجاح تحققه المملكة تهديداً وجودياً لهم، في سلوك يعكس افتقاراً للثقة بالنفس أكثر مما يعكس خلافاً سياسياً.
هذه العداوة ليست وليدة اليوم، بل هي عقدة تاريخية ضاربة في الجذور. ويكفي أن نستحضر الجملة الشهيرة للرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة، عقب حرب الرمال عام 1963، حين قال: “المغاربة حكْرونا”. هذه الجملة لم تكن تعبيراً عن موقف سياسي، بل كانت اعترافاً بمركب نقص وأزمة نفسية متجذرة، حولت الخلاف إلى ملف شخصي يستعصي على أي علاج دبلوماسي.
وهو المرض الذي شخصه الملك الراحل الحسن الثاني بعبقرية مبكرة حين قال في أحد خطاباته الخالدة: “مغربية الصحراء شيء لا جدال فيه، ولكن كنا ننتظر… أن يعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار… وأن يعرف الناس النوايا الحقيقية لمن يُساكنوننا ويجاوروننا”. كلمات وضعت الأصبع على جرح غائر في جسد الجغرافيا المغاربية، وكشفت حقيقة نظام حول الحقد إلى عقيدة، والعداء إلى سياسة رسمية.
واليوم، وبعد عقود، تثبت الأيام صدق رؤيته الثاقبة، وتؤكد أن المغرب يواجه ابتلاءً تاريخياً وجغرافياً، اختبر صبر وحكمة قيادته على مر السنين في التعامل مع جار حوّل طاقته لبناء العداء بدلاً من بناء المستقبل.