أكد تقرير صادر عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أن المنظومة التعليمية والتكوينية في المغرب تواجه تحديات بنيوية عميقة، تعرقل جودة التعليم وتضعف حظوظ الشباب في اكتساب المهارات المطلوبة لولوج سوق الشغل. التقرير رصد اختلالات متعددة تبدأ من عدم ملاءمة المناهج مع متطلبات سوق العمل، وتمتد إلى هشاشة البنية التحتية الجامعية، والفوارق المجالية في الولوج إلى التعليم العالي.
التقرير أبرز أن العديد من التخصصات الجامعية تفتقر إلى البعد التطبيقي، حيث لا تواكب محتوياتها حاجيات الاقتصاد ولا تنتج الكفاءات التي يبحث عنها أرباب العمل. هذا الخلل ساهم في رفع معدلات البطالة في صفوف الخريجين، وعمّق الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات التشغيل. كما لفت إلى أن فرص التعليم الجيدة ما تزال متركزة في كبريات المدن، ما يفاقم مظاهر الإقصاء بالنسبة لشباب المناطق النائية.
وركزت الوثيقة كذلك على معضلة الهدر الجامعي، مشيرة إلى أن نسب الانقطاع المرتفعة تعكس ضعف قدرة الطلاب على التكيف مع البيئة الجامعية أو استكمال مسارهم الدراسي، الأمر الذي يحرم الاقتصاد الوطني من طاقات مؤهلة كان بالإمكان استثمارها. في هذا السياق، شدد التقرير على أن إعادة بناء الثقة بين الطالب المغربي ومؤسسته الجامعية يتطلب إصلاحًا هيكليًا يبدأ بمحاربة الزبونية والمحسوبية التي تنخر بعض المؤسسات، داعيًا إلى محاسبة المتورطين في هذه الممارسات وإعادة الاعتبار للجامعة كفضاء للعلم والمعرفة.
العصبة دعت الحكومة إلى إصلاح عميق للمناهج التعليمية بما يجعلها أكثر مرونة وتكيفًا مع التحولات السريعة لسوق الشغل، مع التركيز على المهارات الناعمة والقدرة على الابتكار وريادة الأعمال. كما أوصت بزيادة الاستثمار في البنية التحتية الجامعية وتجهيزها بأحدث الوسائل التكنولوجية، وتوفير تمويل كافٍ للبحث العلمي، إضافة إلى تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص لتقوية فرص التكوين الميداني والإدماج المهني.
وفي موازاة ذلك، تطرقت العصبة إلى ضرورة إشراك التنظيمات الطلابية في صناعة القرار الجامعي وتمكينها من لعب أدوارها التمثيلية في الدفاع عن حقوق الطلاب، مؤكدة أن أي إصلاح مستدام لا يمكن أن يتحقق دون اعتبار الطالب شريكًا أساسيًا.
من جانب آخر، أصدر مجلس المستشارين من خلال مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة، المكلفة بتقييم السياسات العمومية الخاصة بالاستثمار والتشغيل، تقريرًا مفصلًا حول تحديات التشغيل وهيكلة منظومة التكوين المهني. التقرير، الذي نوقش في جلسة عامة يوم 22 يوليوز 2025 بحضور أعضاء من الحكومة، شدد على ضرورة إعادة هيكلة التكوين المهني وربطه بشكل مباشر بمتطلبات سوق الشغل والقطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
كما تضمن توصيات تتعلق بتأهيل منظومة التكوين عبر إشراك القطاع الخاص في تصميم البرامج، وتوسيع نطاق الإدماج والتشغيل الذاتي، وتبسيط المساطر لفائدة الشباب والنساء، مع إرساء آليات للتمويل المرن. وأوصى كذلك بدعم التكوين المستمر والاعتماد على شراكات استراتيجية مع الجامعات، وإرساء برامج تكوين مدى الحياة، إلى جانب اعتماد منظومة رقمية موحدة لتتبع الأداء وتقييم السياسات.
التقرير البرلماني شدد على أهمية الاستثمار في البحث العلمي والابتكار باعتبارهما رافعتين أساسيتين للتنافسية وجلب الاستثمارات، مع إدخال رهانات جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والأخضر. كما أوصى بإحداث هيئة دائمة متعددة القطاعات تحت إشراف رئاسة الحكومة، لتنسيق السياسات العمومية الخاصة بالتشغيل والتكوين والاستثمار، ضمانًا للانسجام وتفادي تداخل الاختصاصات.
وفي ما يتعلق بالتمكين الاقتصادي للنساء، اقترح التقرير اعتماد حوافز مالية وضريبية، وتخصيص اعتمادات للمشاريع النسائية، وتشجيع إدماجهن في القطاعات الصناعية والمهيكلة، مؤكدًا على أهمية دعم المقاولة النسائية عبر المواكبة القانونية والتقنية وتبسيط المساطر.
أما بخصوص بيئة المقاولة، فقد أوصى بإنشاء منصات رقمية وطنية وجهوية لربط بيانات التكوين والتشغيل بالفرص الاستثمارية، وتوسيع نطاق الضمانات العمومية لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة لتسهيل ولوجها إلى التمويل، مع التفكير في سوق قانونية موازية للديون المتعثرة لتخفيف الضغط على الأبناك.
عدد من المستشارين شددوا خلال المناقشات على أن الفجوة ما تزال قائمة بين حجم الاستثمارات المنجزة وأثرها المباشر على التشغيل، معتبرين أن محاربة البطالة تقتضي معالجة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الإدماج السوسيو-اقتصادي، إلى جانب تحديث الإطار القانوني لعلاقات الشغل وتكييف برامج التكوين مع حاجيات السوق في إطار رؤية أكثر نجاعة واستهدافًا.