الرئيسية / نبض المجتمع / جيل Z المغربي تحت نيران التحريض الأجنبي

جيل Z المغربي تحت نيران التحريض الأجنبي

جيل زد
نبض المجتمع
فبراير.كوم 04 أكتوبر 2025 - 22:00
A+ / A-

جيل Z المغربي تحت نيران التحريض الأجنبي

في ظل الحراك الشبابي الذي شهده المغرب مؤخراً، برزت ظاهرة خطيرة تستدعي التوقف والتأمل: استهداف منظم من قبل شخصيات ووسائل إعلام أجنبية لـ”جيل زد” المغربي، في محاولة واضحة لاستغلال معاناته الحقيقية وتحويل مطالبه المشروعة إلى أداة لزعزعة الاستقرار. هذا الجيل الذي يمثل 26.3% من سكان المملكة، أي حوالي 9.6 مليون نسمة، يجد نفسه اليوم في مرمى حملات تحريضية ممنهجة تستغل انفتاحه الرقمي وتعطشه للتغيير.

الواقع الصعب الذي يعيشه الشباب المغربي ليس سراً على أحد. معدل بطالة يصل إلى 30%، نظام تعليمي يحتل فيه المغرب المركز 98 عالمياً من أصل 141 دولة وفق مؤشر المعرفة العالمي لسنة 2024، خدمات صحية متهالكة، وفساد مستشرٍ في مفاصل الإدارة. هذه معاناة حقيقية تستحق الاهتمام والمعالجة الجدية. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز التعبير الطبيعي عن هذه المطالب إلى شيء أكثر خطورة: استغلال ممنهج لهذه المعاناة من قبل جهات أجنبية لها أجندات خاصة لا علاقة لها بمصلحة الشباب المغربي.

تبدأ عملية التحريض من وسائل الإعلام الأجنبية التي تتبنى تغطية انتقائية وموجهة للأحداث في المغرب. الحالة الأبرز هي قناة “فرانس 24” التي أثارت تغطيتها للاحتجاجات جدلاً واسعاً، حيث اتهمها مراقبون بالمبالغة في تضخيم الأحداث والتركيز على زوايا معينة بشكل يوحي بوجود أجندة سياسية واضحة. هذا النوع من التغطية الإعلامية ليس محايداً ولا مهنياً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تأجيج الأوضاع وخلق حالة من عدم الاستقرار. القنوات الأجنبية تستغل حرية الإعلام لتمرير رسائل سياسية مغلفة بالمهنية الزائفة، مركزة على السلبيات ومتجاهلة أي سياق أو إنجازات، في محاولة لرسم صورة قاتمة تخدم أهدافها الجيوسياسية.

لكن الخطر الأكبر يأتي من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتعرض الشباب المغربي لحملات تحريض منظمة. تشير الإحصائيات إلى أن 90% من المغاربة يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، وترتفع هذه النسبة إلى 97% بين القاصرين. هذا الانفتاح الرقمي الهائل حوّل هؤلاء الشباب إلى أهداف سهلة لشخصيات أجنبية تنشط بشكل مكثف على منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب. هذه الشخصيات، سواء كانت مؤثرين أو ناشطين أو إعلاميين، تقدم محتوى يبدو في الظاهر نقدياً أو تثقيفياً، لكنه في الحقيقة يحمل رسائل تحريضية خطيرة تستهدف القيم المغربية والإسلامية وتشجع على التمرد والفوضى.

المحتوى التحريضي الذي ينتجه هؤلاء المؤثرون الأجانب يتخذ أشكالاً متعددة. هناك من يروج لأنماط حياة منحلة باسم “الحرية الشخصية”، مستهدفاً القيم الدينية والاجتماعية التي يتمسك بها المجتمع المغربي. وهناك من ينتقد كل شيء في المغرب بشكل مبالغ فيه وغير منصف، مقدماً صورة مشوهة عن الواقع تدفع الشباب إلى اليأس أو الغضب الأعمى. والأخطر من ذلك، هناك من يحرض بشكل مباشر على العنف والفوضى تحت شعارات براقة مثل “الثورة” و”التغيير”، دون أن يقدم أي بديل عملي أو حلول واقعية. هؤلاء لا يهمهم مستقبل المغرب أو مصلحة شبابه، بل يستخدمونهم كوقود لأجندات أجنبية تهدف إلى زعزعة استقرار المنطقة.

دراسة أكاديمية إسبانية حديثة كشفت جانباً آخر من هذا التحريض الممنهج، حيث أظهرت أن المبالغة في تصوير جودة الحياة بأوروبا عبر منصات التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز العوامل التي تدفع الشباب المغربي للهجرة غير الشرعية.

هذا ليس مجرد محتوى ترفيهي أو إعلامي عادي، بل هو تحريض ممنهج على ترك الوطن، يصور أوروبا كجنة موعودة ويقدم المغرب كجحيم لا مخرج منه سوى بالهرب. الرسالة واضحة: بلدك لا يستحق، حياتك هنا لا معنى لها، الحل الوحيد هو الرحيل. هذا تدمير منظم للانتماء الوطني وتفريغ للبلد من طاقاته الشابة.

ما يجعل هذا التحريض أكثر خطورة هو أنه يستغل معاناة حقيقية. الشباب المغربي يعاني فعلاً من البطالة وتردي الخدمات والفساد، وهذه الجراح المفتوحة تجعله أكثر تقبلاً للخطاب التحريضي. المحرضون الأجانب يعرفون ذلك جيداً، فيبنون خطابهم على هذا الواقع المرير، لكنهم بدلاً من تقديم حلول بناءة أو دعم حقيقي، يستخدمون المعاناة كمدخل للتحريض على الفوضى. إنهم لا يريدون إصلاحاً حقيقياً للمغرب، بل يريدون استخداماً سياسياً لأزماته. الفرق كبير بين من ينتقد لأجل التغيير الإيجابي، ومن ينتقد لأجل التدمير والزعزعة.

الخطورة تتضاعف عندما ندرك أن هذا التحريض يستهدف فئة عمرية معينة: الشباب والقاصرون. هؤلاء هم الأكثر انفتاحاً على وسائل التواصل الاجتماعي، والأقل خبرة في تمييز المحتوى الموجه من المحتوى الحقيقي. الشباب بين 15 و25 سنة يقضون ساعات طويلة على هذه المنصات، يتعرضون يومياً لآلاف الرسائل والمحتويات، بعضها بريء وبعضها مسموم. وبدون وعي نقدي كافٍ أو تربية إعلامية مناسبة، يصبحون فريسة سهلة للتأثير والتوجيه. المحرضون يعرفون هذه الثغرة ويستغلونها بمهارة، مستخدمين تقنيات نفسية وإعلامية متطورة لاختراق عقول الشباب وتشكيل وعيهم بما يخدم أجنداتهم.

التحريض الأجنبي لا يقتصر على المحتوى المرئي والمسموع، بل يمتد إلى التنظيم والتحريك المباشر. استخدام تطبيق “ديسكورد” في تنظيم الاحتجاجات الأخيرة يطرح تساؤلات مشروعة حول من يقف وراء هذا التنظيم ومن يوجهه. هذا التطبيق الذي يصعب مراقبته أصبح أداة مفضلة لمن يريدون تحريك الشارع بعيداً عن أعين السلطات. والسؤال المطروح: هل كل من ينظم عبر هذه المنصات يفعل ذلك بشكل مستقل؟ أم أن هناك أيادي خفية توجه وتمول وتخطط؟ التجارب في دول أخرى تثبت أن “الثورات الملونة” التي بدت عفوية كانت في الحقيقة مدعومة وموجهة من الخارج، وما يحدث في المغرب قد لا يكون استثناءً.

مواجهة هذا التحريض تتطلب استراتيجية شاملة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة. لا يمكن مواجهة التحريض الأجنبي بمجرد إنكار وجوده أو اعتبار كل نقد مؤامرة خارجية. المطلوب هو تمييز دقيق بين النقد المشروع والتحريض المغرض، بين المطالب الحقيقية للشباب والاستغلال الأجنبي لهذه المطالب. الحكومة المغربية مطالبة بالاستجابة الجدية لمطالب الشباب في التعليم والصحة والتشغيل، لأن هذا هو أفضل ترياق ضد التحريض. عندما يرى الشباب أن هناك إصلاحاً حقيقياً وأفقاً واضحاً لمستقبلهم، سيصبحون أقل تقبلاً للخطاب التحريضي.

في الوقت نفسه، يجب تعزيز الحصانة الفكرية والثقافية للشباب من خلال التربية على التفكير النقدي والتمييز بين المصادر الموثوقة والمضللة. المدارس والجامعات والأسر كلها مطالبة بلعب دورها في تحصين الشباب ضد التأثيرات الخارجية المغرضة. كما أن إنتاج محتوى مغربي أصيل وجذاب يقدم بديلاً إيجابياً للمحتوى التحريضي الأجنبي أصبح ضرورة ملحة. الشباب بحاجة إلى نماذج مغربية ناجحة يقتدون بها، ومحتوى يعكس هويتهم وقيمهم دون انغلاق أو تشدد.

على المستوى القانوني، لا بد من سن تشريعات تحمي القاصرين والشباب من المحتوى الضار والتحريضي دون المساس بحرية التعبير. التوازن دقيق لكنه ضروري: حماية الشباب من الاستغلال والتحريض، مع ضمان حقهم في التعبير والنقد البناء. هذا يتطلب حكمة وشجاعة في آن واحد، وتعاوناً بين السلطات والمجتمع المدني والأسر.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة