يشهد المغرب منذ أسابيع حراكا شبابيا غير مسبوق في شكله وأدواته، حراك يعبر عن تحول عميق في علاقة الجيل الجديد بالسياسة وبالفضاء العام.

فجيل “زيد”، الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية وتفتح وعيه في عالم متصل ومتسارع، لا يعبر عن نفسه من خلال الشعارات الحزبية أو الأطر الكلاسيكية، بل عبر فضاءات افتراضية مفتوحة وشبكات رقمية مغلقة، تتيح له التعبئة والتأثير دون وصاية أو قيادة تقليدية.

هذا التحول لا يمكن قراءته فقط كحالة احتجاج ظرفية، بل كإعادة تعريف للسياسة نفسها، إذ لم تعد المشاركة السياسية رهينة بالمقرات الحزبية أو الحملات الانتخابية، بل امتدت إلى العالم الرقمي بوصفه ساحة للنقاش والمساءلة والمبادرة.

في هذا السياق، يرى الدكتور الحبيب أستاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، في تصريح لموقع فبراير، أن “جيل زد يقف اليوم في واجهة التعبئات الاجتماعية باعتباره نتاجا خالصا لعصر الرقمنة والاتصال الفوري، لا يرتكز على هياكل تنظيمية أو قيادات واضحة كما كان الحال مع حركة 20 فبراير سنة 2011”، مضيفا أن “هذا الجيل يعبر عن ذاته خارج قنوات الوساطة الكلاسيكية، مستعملاً فضاءات رقمية مغلقة مثل ديسكورد لتبادل الأفكار وتنسيق التحركات بعيدًا عن الرقابة”.

ويؤكد الباحث أن هذه الدينامية الجديدة تعبر عن “شعور متنام بفقدان الثقة في النخب السياسية والمؤسسات التمثيلية التي تراجعت قدرتها على التعبير عن المصالح الحقيقية للمجتمع”، مشيرا إلى أن ضعف قنوات الحوار بين الدولة والمجتمع، واستمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتدهور الخدمات العمومية، كلها عوامل دفعت الشباب إلى البحث عن فضاءات جديدة للتعبير والمساءلة.

ويعتبر أستاتي أن الاحتجاج في هذا السياق “لا يمثل موقفا سلبيا أو انعزاليا، بل هو شكل من أشكال المشاركة السياسية غير المباشرة”، لكنه يؤكد أن هذه المشاركة لن تكون ذات أثر ما لم تترجم إلى انخراط فعلي في المسار الانتخابي، لأن “التصويت الواعي يظل أحد أشكال الفعل السياسي السلمي القادر على إعادة التوازن للعلاقة بين المواطن والمؤسسات، وتحويل الإصلاح من استجابة ظرفية إلى خيار وطني دائم”.

من جانبه، يرى الفاعل الحقوقي غسان ابن وازي، عضو المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعضو المجلس الوطني لشبيبة اليسار الديمقراطي، أن التغيير الحقيقي لا يستورد من فوق بل يصنع من تحت، من الميدان ومن نبض الشارع، قائلاً في تصريحه لموقع فبراير: “إن أي مبادرة تحمل شعار إشراك الجيل الجديد تُستقبل بكثير من الأمل، لكنها لا تُقاس بالشعارات بل بما تخلقه من وعي وما تزرعه من ثقة.”

ويعتبر ابن وازي أن حركة “جيل زيد” قد تمثل محطة فارقة “إذا استطاعت أن تعبر فعلا عن الجيل الجديد الذي رفض الاستسلام، وأن تترجم غضب الشباب إلى مشروع وطني ديمقراطي تغييري، لا إلى تسويق انتخابي موسمي”، مشددا على أن المشكل في المغرب ليس في عزوف الشباب عن السياسة، بل في السياسة نفسها حين تفرغ من معناها وتتحول إلى مقاعد ومناصب بدل أن تكون التزامًا ومسؤولية تجاه الشعب.

ويضيف الفاعل الحقوقي أن الشباب المغربي اليوم لا يطلب الكثير: “يريد فقط أن يُصغي إليه أحد، وأن يجد مكانه في القرار لا في الهامش، وأن يرى في الفعل السياسي أداة لتحرير إرادته لا لترويضها”، مشيرًا إلى أن مستقبل أي حركة شبابية رهين بقدرتها على ربط السياسة بالأخلاق والنضال والمعنى.

ويحذر ابن وازي من أن تتحول هذه المبادرات إلى “واجهات جديدة لتجميل نفس الواقع أو إلى آلية لتلميع نفس الوجوه القديمة بثوب شبابي”، مؤكداً أن المستقبل لا يُبنى بالولاءات أو التوجيهات، بل بالإرادة والجرأة في قول الحقيقة، وبخلق حركة شبابية نقدية مستقلة تؤمن بأن الديمقراطية ليست حدثًا انتخابيًا بل مسارًا يوميًا من المقاومة والمساءلة.

وختم  تصريحه قائلا: “الجيل الصاعد هو رهان المستقبل، لا كأداة في يد السلطة أو الأحزاب، بل كقوة مجتمعية قادرة على إعادة المعنى للسياسة وإحياء الحلم الجماعي بالتغيير، فإما أن يُفتح له المجال ليصوغ مصيره بيده، أو سيصنع طريقه خارج الأطر، كما فعلت الأجيال التي آمنت بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.”

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store