تثير أحكام مشروع قانون رقم 23/66 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، خاصة تلك المتعلقة بإعفاء بعض الفئات من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين، إشكالا دستوريا يتعلق بمدى احترام مبدأ المساواة في تحديد الفئات المستفيدة من هذا النظام. فإذا كان المشرع يملك سلطة تقديرية في تنظيم شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، فإن ممارسته لهذه السلطة تظل مقيدة بضرورة اعتماد معايير موضوعية ومبررة، لا سيما عندما يكون معيار الاستفادة هو الخبرة القانونية والممارسة العملية. وهو الإشكال الذي سبق أن كان محل ملاحظات من طرف مجلس المنافسة.

ومن هذا المنطلق، سأتطرق الى النقطة المتعلقة بمدى دستورية استبعاد بعض الفئات التي تتوفر على خبرة قانونية مماثلة، مع التركيز على مدى انسجام ذلك مع مبدأ المساواة وحدود السلطة التقديرية للمشرع.

أولاً: مبدأ المساواة باعتباره قاعدة دستورية حاكمة للعمل التشريعي

كرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 مبدأ المساواة باعتباره أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدستوري، فقد نص الفصل السادس (6) من الدستور على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع، أشخاصًا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له”.  ولا يقتصر مدلول هذا الفصل على المساواة الشكلية أمام النص القانوني، وإنما يمتد إلى ضرورة أن تكون القواعد القانونية نفسها قائمة على معايير موضوعية ومنطقية، وألا تؤدي إلى إحداث فروق غير مبررة بين أشخاص يوجدون في مراكز قانونية متشابهة،  كما أكد الفصل التاسع عشر من الدستور مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق والحريات، وهو ما يجعل المشرع ملزما، عند تنظيمه للحقوق والمهن، باحترام مبدأ عدم التمييز غير المبرر،  غير أن مبدأ المساواة لا يعني بالضرورة فرض معاملة واحدة على جميع الأشخاص، إذ لا يمكن تجاهل الاختلافات الواقعية أو القانونية بين الفئات. فالمساواة لا تمنع المشرع من وضع قواعد مختلفة لأوضاع مختلفة، متى كان الاختلاف قائما على أساس موضوعي ومتى كان مرتبطا بالهدف الذي يرمي إليه القانون،  ومن ثم فإن السؤال لا يتمثل في وجود اختلاف في المعاملة من عدمه، وإنما في هل يستند هذا الاختلاف إلى معيار موضوعي ومعقول؟ وهل يظل متناسبا مع الغاية التشريعية التي يراد تحقيقها؟

لا شك أن المشرع يتمتع بسلطة واسعة في تحديد شروط ممارسة المهن وتنظيمها، بالنظر إلى ما تتطلبه بعض المهن من شروط خاصة تتعلق بالكفاءة والنزاهة والخبرة، وتزداد هذه السلطة أهمية بالنسبة لمهنة المحاماة، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وحسن سير العدالة. غير أن السلطة التقديرية للمشرع ليست سلطة مطلقة، إذ تظل خاضعة لرقابة المحكمة الدستورية من زاوية احترامها للمبادئ والقواعد الدستورية،  فليس للمشرع أن يعتمد معيارا معينا لتبرير امتياز تشريعي لفئة معينة، ثم يستبعد من تتوافر فيه ذات عناصر هذا المعيار دون مبرر موضوعي،  وهنا يظهر جوهر الإشكال.  هل تم اعتماد معيار الخبرة القانونية بصورة مجردة وعامة؟ أم تم اعتماده بصورة انتقائية مرتبطة بالصفة الإدارية أو الوظيفية للفئة المستفيدة؟

ثانيا: مبدأ المساواة وحدود التمييز التشريعي

أن مبدأ المساواة لا يفهم باعتباره قاعدة جامدة تفرض التطابق المطلق بين جميع الأشخاص، وإنما باعتباره مبدأ يهدف إلى منع التمييز غير المؤسس على معايير موضوعية، فالمشرع بحكم وظيفته في وضع القواعد القانونية وتنظيم مختلف المجالات الاجتماعية والمهنية، قد يجد نفسه أمام أوضاع مختلفة تستوجب اعتماد أحكام متمايزة، غير أن هذا الاختلاف لا يكون مشروعا دستوريا إلا إذا استند إلى مبررات موضوعية ومعقولة، وكانت له علاقة مباشرة بالغاية التي يستهدفها القانون،  وبعبارة أخرى، فإن الرقابة الدستورية لا تنصب على مجرد وجود اختلاف في المعاملة القانونية، وإنما تنصب على مدى عقلانية الأساس الذي أقيم عليه هذا الاختلاف ومدى تناسبه مع الهدف التشريعي.

وعليه، فإن التمييز التشريعي لا يكون مخالفا للدستور لمجرد أنه ميز بين فئات مختلفة، وإنما يصبح كذلك عندما يكون هذا التمييز مجردا من الأساس الموضوعي، أو عندما يؤدي إلى نتائج غير متناسبة مع الغاية التي اعتمد من أجلها.

فإذا كان للمشرع أن يضع شروطا خاصة للولوج إلى مهنة معينة، فإن هذه الشروط يجب أن تكون مرتبطة بطبيعة تلك المهنة وبالمؤهلات الضرورية لممارستها،  وبالنسبة لمهنة المحاماة، فإن عناصر الكفاءة القانونية والخبرة العملية والإلمام بإجراءات التقاضي تشكل بلا شك معايير ذات صلة مباشرة بطبيعة المهنة. ومن هنا فإن اعتماد الخبرة القانونية معيارا للولوج الاستثنائي إلى المهنة يبدو معيارا مشروعا من الناحية الدستورية، لأنه يرتبط مباشرة بالغاية المرجوة، وهي ضمان توفر الممارس على الحد الأدنى من التأهيل والخبرة اللازمين لممارسة وظيفة الدفاع. غير أن الإشكال لا يتعلق بمشروعية هذا المعيار في ذاته، وإنما يتعلق بمدى اتساق تطبيقه،  فإذا كان المشرع قد اعتبر أن ممارسة وظائف قانونية معينة، وما ينتج عنها من خبرة تشكل سببا كافيا للاستفادة من الولوج الاستثنائي، فإن التساؤل المشروع دستوريا هو، هل تم اعتماد معيار الخبرة القانونية على أساس طبيعة المهام الفعلية التي يزاولها الشخص، أم على أساس صفته الإدارية فقط؟  ذلك أن الصفة الوظيفية في حد ذاتها لا تكفي دائما لتبرير الاختلاف، إذا كانت المهام الواقعية التي يباشرها أصحاب الصفات المختلفة متقاربة أو متماثلة من حيث طبيعتها القانونية.

ثالثا: الخبرة القانونية كمعيار موضوعي للولوج إلى مهنة المحاماة.

إن مهنة المحاماة ليست مجرد وظيفة إدارية أو ممارسة شكلية، وإنما هي مهنة قانونية تقوم أساسا على القدرة على تحليل النصوص القانونية، وفهم الاجتهاد القضائي، وصياغة الحجج والدفوع، ومباشرة الإجراءات المرتبطة بالخصومة القضائية. ومن ثم، فإن أي نظام استثنائي للولوج إليها ينبغي أن يجد مبرره في توفر عناصر موضوعية مرتبطة بهذه الكفاءات،  وبالنظر إلى الفئات التي منحها مشروع القانون إمكانية الولوج الاستثنائي، يتبين أن الجامع بينها ليس الانتماء إلى مرفق معين، وإنما طبيعة الخبرة التي راكمتها. فالقاضي يستمد خبرته من ممارسة وظيفة الفصل في المنازعات وتطبيق القانون، والأستاذ الجامعي المتخصص في القانون يستمد خبرته من البحث والتدريس والتحليل القانوني، وموظف كتابة الضبط يستمد خبرته من العمل داخل البيئة القضائية ومعرفة الإجراءات والمساطر، غير أن هذه العناصر نفسها  وإن اختلف إطار اكتسابها، توجد كذلك لدى فئة الموظفين العاملين في مصالح الشؤون القانونية والمنازعات بالإدارات العمومية.

إن الحديث عن هذه الفئة لا يتعلق بموظفين إداريين بالمعنى التقليدي، وإنما بأطر قانونية متخصصة تضطلع بمهام ذات طبيعة قضائية وقانونية دقيقة،  فطيلة سنوات ممارستهم المهنية، يباشر هؤلاء الموظفون أعمالا تتطلب تكوينا قانونيا وخبرة عملية من بينها دراسة النصوص القانونية وتفسيرها، تحليل الإشكالات القانونية التي تواجه الإدارة،  إعداد المذكرات القانونية، صياغة الدفوع والطلبات، إعداد الطعون أمام مختلف الجهات القضائية، تتبع القضايا والمنازعات بمختلف أنواعها، دراسة الأحكام والقرارات القضائية واستخلاص آثارها، تقديم الاستشارات القانونية لمصالح الإدارة. كما أن عددا مهما هذه الاطر تتوفر على انتدابات صادرة عن رؤساء الإدارات التي ينتمون إليها تخول لهم تمثيل الإدارة أمام جميع محاكم المملكة لحضور الجلسات المتعلقة بالمنازعات القضائية والاطلاع على الملفات والحصول على الوثائق المتعلقة بهذه المنازعات، والقيام بكل الإجراءات التي تتطلبها الملفات المعروضة امام المحاكم ( اطر الخزينة العامة العامة للمملكة، المديرية العامة للضرائب ادارة املاك الدولة، الوكالة القضائية للمملكة على سبيل المثال)  وهذا يعني أنهم لا يكتسبون خبرتهم من خلال التعامل النظري مع القانون فقط، وإنما من خلال ممارسة عملية مرتبطة مباشرة بالمنازعة القضائية. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، إذا كانت ممارسة الوظيفة القضائية أو القانونية داخل مؤسسات الدولة تشكل أساسا لمنح الولوج الاستثنائي أي الاعفاء من المبارة، فما هو المبرر الموضوعي لاستبعاد موظفين يمارسون يوميا وظائف قانونية متصلة مباشرة بالتقاضي والمنازعات؟

رابعا: مبدأ الاتساق التشريعي كعنصر من عناصر الرقابة الدستورية.

إن الإشكال المطروح لا يتمثل في الرغبة في توسيع دائرة المستفيدين من الاعفاء من المبارة، ولا في إجراء مقارنة سطحية بين مختلف المهن،  بل يتمثل في مدى انسجام الاختيار التشريعي مع منطقه الداخلي. فالمشرع عندما يختار معيارا معينا لتبرير معاملة قانونية خاصة، فإنه يكون مطالبا باحترام هذا المعيار بصورة متسقة، فإذا كان معيار الاستفادة هو الخبرة القانونية المتراكمة والممارسة العملية ذات الصلة بالقانون والقضاء، فإن هذا المعيار ينبغي أن يشمل كل من تتوفر فيه عناصره الموضوعية، ما لم يوجد اختلاف جوهري يبرر الاستبعاد. أما اعتماد معيار مزدوج، بحيث تعتبر الخبرة القانونية كافية بالنسبة لفئات معينة، ولا يكون لها نفس الاعتبار بالنسبة لفئة أخرى تمارس مهاما قانونية مماثلة، فإنه يثير تساؤلا حول مدى احترام مبدأ المساواة.

إن الإشكال المطروح لا يتعلق في جوهره بمبدأ منح بعض الفئات إمكانية الولوج الاستثنائي إلى مهنة المحاماة، ولا ينازع في السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في تنظيم هذه المهنة وضبط شروط ممارستها،  ذلك أن المشرع يظل صاحب الاختصاص الأصيل في تحديد السياسة التشريعية الملائمة لتنظيم المهن القانونية، بما يحقق أهدافا مشروعة تتعلق بحسن سير العدالة وضمان كفاءة الممارسين. غير أن هذه السلطة التشريعية مهما اتسعت، تبقى محكومة بمقتضيات الدستور، وخاصة بمبدأ المساواة الذي لا يقتصر على منع التمييز الصريح، وإنما يمتد إلى مراقبة مدى موضوعية الأسس التي تقوم عليها المعاملة القانونية المختلفة بين الفئات. والحالة المعروضة تثير تساؤلا دستوريا دقيقا لا يتعلق بوجود اختلاف في المعاملة، وإنما بمدى اتساق المعيار الذي اعتمده المشرع مع تطبيقاته العملية.

فإذا كان المشرع قد اعتبر أن الخبرة القانونية والممارسة العملية في المجال القضائي تشكلان مبررا موضوعيا للولوج الاستثنائي إلى مهنة المحاماة، فإن مقتضيات المساواة تقتضي أن يكون هذا المعيار عاما ومجردا، وأن يمتد أثره إلى كل فئة تتوفر فيها عناصره الموضوعية، ما لم يوجد اختلاف جوهري يبرر الاستبعاد. ومن هذه الزاوية، فإن وضعية موظفي الإدارات العمومية العاملين في مصالح الشؤون القانونية والمنازعات تثير إشكالًا خاصا، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يباشرونها، والتي لا تنحصر في أعمال إدارية بمعناها التقليدي، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بالمجال القانوني والقضائي، فهم يساهمون في بناء الاستراتيجية القانونية للإدارة، ويتولون إعداد وسائل الدفاع، وتتبع الملفات القضائية، وتحليل الأحكام والقرارات، ومباشرة الإجراءات المرتبطة بالمنازعات. ومن ثم، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه من زاوية دستورية هو، هل يشكل الانتماء إلى إطار وظيفي معين سببا موضوعيا كافيا لاستبعاد هذه الخبرة، في حين تم اعتماد الخبرة ذاتها كأساس للاستفادة بالنسبة لفئات أخرى؟

ان أحد المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم العمل التشريعي هو مبدأ الاتساق، فالقانون باعتباره تعبيرا عن الإرادة العامة، لا ينبغي أن يقوم على معايير متناقضة أو أن يعتمد مفهوما معينا في موضع ثم يتجاهله في موضع آخر دون مبرر واضح. وعندما يختار المشرع الخبرة القانونية معيارا للتمييز الإيجابي لفائدة بعض الفئات، فإن احترام مبدأ المساواة يقتضي فحص مدى تطبيق هذا المعيار على نحو متجانس، فالمساواة لا تفرض بالضرورة منح الامتياز للجميع، لكنها تفرض أن يكون معيار منح الامتياز موضوعيا وقابلا للتطبيق على كل من تتوفر فيه شروطه. وهنا تكمن أهمية الإشكال، فالمطلوب ليس توسيع الاستفادة من الولوج الاستثنائي لمجرد توسيعها، وإنما ضمان أن يكون الأساس الذي يقوم عليه هذا الاستثناء منسجما مع المبادئ الدستورية.

خامسا: في القيمة الدستورية للاستئناس برأي مجلس المنافسة.

إن الرأي الذي تقدم به مجلس المنافسة بشأن مشروع قانون مهنة المحاماة يكتسي أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره صادر عن مؤسسة دستورية مستقلة أثارت انتباه المشرع إلى ضرورة تفادي القيود غير المبررة على الولوج إلى المهن،  وقد انصب جوهر هذا الرأي على أن استبعاد فئة الموظفين العاملين في مجال الشؤون القانونية والمنازعات يظل بحاجة إلى تبرير موضوعي، خصوصا إذا كان الأساس المعتمد للاستفادة الاستثنائية هو الخبرة القانونية، ويتلاقى هذا الرأي مع المنطق الدستوري القائم على أن التمييز بين الأشخاص لا يكون مشروعا إلا إذا استند إلى اختلاف حقيقي ومرتبط مباشرة بالغاية التشريعية بالتالي، فإن رأي مجلس المنافسة لا يقدم مجرد ملاحظة مرتبطة بتنظيم المهن، وإنما يثير نقطة ذات بعد دستوري تتمثل في مدى انسجام معيار الولوج مع مبادئ المساواة والموضوعية والتناسب.

إن الغاية من هذا النقاش هو لفت الانتباه إلى إشكال قانوني يستحق التأمل عند فحص مدى مطابقة مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة للمبادئ الدستورية. جوهر هذا الإشكال يتمثل في أن المشرع، عندما اعتمد معيار الخبرة القانونية والممارسة العملية كأساس للاستفادة الاستثنائية من الولوج إلى مهنة المحاماة، يكون مدعوا إلى ضمان انسجام هذا المعيار وعدم تطبيقه بصورة انتقائية دون مبرر موضوعي،  فالمعيار الدستوري الحاسم ليس هو الصفة الإدارية أو الوظيفية للشخص، وإنما طبيعة الخبرة التي راكمها ومدى ارتباطها بالغاية التي يراد تحقيقها من تنظيم المهنة.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store