الرئيسية / نبض المجتمع / رحيل براهمة المناضل الذي لم ينحنِ للمخزن ولا للزمن

رحيل براهمة المناضل الذي لم ينحنِ للمخزن ولا للزمن

براهمة
نبض المجتمع
أيمن سلام 14 أكتوبر 2025 - 16:00
A+ / A-

مهندس ومعتقل سياسي سابق، وأحد قادة اليسار الراديكالي بالمغرب، فارق الحياة عن عمر يناهز 70 عاما، يوم أمس الإثنين 13 أكتوبر. المصطفى براهمة المزداد سنة 1955، فقدانه هو فقدان لأحد رموز اليسار المغربي، مدرسته السياسية منظمة “إلى الأمام” الماركسية اللينينية.

مناضل وفيٌّ لقناعاته

بدأ مسيرته النضالية منذ شبابه، التحق بالمدرسة المحمدية للمهندسين، التي كانت مجالا للنقاش الفكري والسياسي، والنضال من داخل نقابة الطلبة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، وحينها تعرف على فكر الحركة الماركسية اللينينية المغربية، وعن منظمة “إلى الأمام”.

كانت المنظمة تشتغل في السرية (1970-1976)، وحينما تم قمعها وتفكيكها، دافع براهمة على وجود “إلى الأمام”، وساهم في تأسيس فصيل الطلبة القاعديين 1978، الذي سيحمل فكرها داخل الجامعة المغربية.

ظل المصطفى براهمة وفيّاً لقناعته، وناضل من أجل استمرار “إلى الأمام” بشكل أو بآخر. لكن توالت الاعتقالات في صفوف مناضلي إلى الأمام، وكان المصطفى أحد هؤلاء المناضلين المعتقلين على خلفية نشاطهم السياسي عام 1985، وغادر السجن سنة 1994.

مهموم بمشاكل الناس

كرس المصطفى براهمة حياته للفقراء و”المسحوقين”، وتواجد بجانبهم في مختلف المعارك النضالية ومختلف الساحات، وكان نضاله من أجل العمال والفلاحين والمواطنين البسطاء، وضد استغلالهم من طرف الباطرونا.

هو ابن البادية، ازداد بمنطقة أولاد احريز ضواحي برشيد، وترعرع فيها، يقول في أحد حواراته، “حينما كنت طفلا كنت أحب الذهاب إلى البادية، أجد فيها الحرية”. هذا الحب الذي يجمعه بالهامش، بالإضافة إلى تشبعه وارتباطه بأفكار الإشتراكية الثورية، جعلا منه مدافعا شرسا على على قضايا المهمشين والمسحوقين.

بعد مغادرته السجن سنة 1994، لم يتراجع. اجتمع براهمة مع المناضلين الثوريين وما تبقى من جيلي منظمة إلى الأمام، وعمل على تأسيس حزب النهج الديمقراطي، الذي يحمل اليوم حزب النهج الديمقراطي العمالي، والذي يتبنى مشروع بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

مناضل لا يفقد الصراع

“النظام المخزني، ضرب عرض الحائط بالحقوق المدنية والسياسية، وقمع الحريات الديمقراطية، حرية الضمير، الرأي، التعبير، التنظيم، التجمع، التظاهر، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالإجهاز على مكتسبات الطبقة العاملة والشغيلة عموما وإشاعة الهشاشة والفقر”، هكذا عبر المصطفى براهمة، الكاتب الوطني السابق لحزب النهج الديمقراطي، أثناء الندوة الدولية التي نظمها الحزب يوم 15 يناير 2022.

وجوده تعلق بالصراع، صراع من خلال التنظيم، والتنظير لما يمكن الاشتغال عليه. مرات عديدة منعت فيها السلطات المغربية حزب النهج الديمقراطي من عقد مؤتمراته، وفي هذا السياق قال براهمة أحد مداخلاته خلال منع شبيبة النهج الديمقراطي من عقد مؤتمر لها سنة 2016 “سنبني الحزب تحت نيران العدو، وكما قالها رفاقنا سنة 1970، وإننا نجسدها اليوم وتجسدها شبيبتنا و قطاعاتنا، سنبني حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين للتصدي لهذه الآلة القمعية الجهنمية ولتحرر وانعتاق شعبنا”.

هذه المحطة النضالية، كانت أول مرة يلتقي فيها سعد مرتاح وهو ناشط بحزب النهج الديمقراطي العمالي وشبيبته، المناضل الراحل المصطفى براهمة، يتحدث سعد لموقع “فبراير كوم” قائلا، “التقيت به أول مرة إبان المنع المخزني لشبيبة النهج الديمقراطي من عقد مؤتمرها الرابع بقاعة عمومية سنة 2016، وتقرر عقده بالشارع أمام جحافل من القوى الأمنية، كان عمري لا يتجاوز 18 سنة والتحقت بالتو بصفوف الشبيبة، كانت من اللحظات التي ظلت عالقة في ذاكرتي”.

ابن زروال وسعيدة ورحال

خلال مداخلاته دائما ما يذكر شهداء منظمة إلى الأمام، يخترقون نقاشه وكأنهم أحياء في وجدانه، يعطي المعنى لنضاله في كونه استمرار لنضالهم، لا يفصل ذاته عن ذاتهم، بهم يقاوم وعلى نهجهم يسير.

“تأكدتُ حينها أنني أمام شخص غير عادي إطلاقا، شخص قل نظيره في هذا الزمان، كيف لا وأنا أرى معتقل سياسي قضى عقدا من الزمن في السجون إبان الثمانينات، ليأتي وهو في آخر سنوات حياته، يصدح قائلا بذات النفس والإصرار والعناد: “نحن أبناء زروال ورحال وسعيدة، سنظل كهذه الأشجار واقفين.. لن نتخلى لن نساوم لن نخون..””. أوضح سعد مرتاح.

ويضيف سعد، “كانت تلك اللحظة كافية لتقرير مصيري السياسي، في حينها حسمت أمري، وقلت أنني لن أنتمي إلا لهذا التنظيم الذي يقوده أمثال هؤلاء العظماء، وبعدها تعرفت عليه أكثر في عشرات الندوات والتكوينات الداخلية التي ساهم في تأطيرها لنا، فقد تربيت سياسيا وفكريا على يد أمثاله”.

جسد هنا.. وقلب بفلسطين

نضاله ضد الاستبداد وضد الامبريالية والصهيونية، ومن أجل تحرير الوطن، والديمقراطية، كان نضال من أجل فلسطين أيضا، بشكل غير مباشر. منذ البداية، ناصر القضية الفلسطينية، وبادر إلى جانب تنظيمات يسارية أخرى بتنظيم مسيرة شعبية بدرب السلطان بالبيضاء سنة 1982 على إثر اجتياح بيروت من طرف الكيان صهيوني وتنفيذه مجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة.

عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، نظمت تنظيمات يسارية مغربية، من بينها منظمة “إلى الأمام” التي كان مصطفى البراهمة منخرطًا فيها، وكان مبادرا في تنظيم مسيرة شعبية حاشدة في حي درب السلطان بمدينة الدار البيضاء. كانت هذه المسيرة تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني واستنكارًا للجريمة البشعة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين في المخيمات.

مختلف القوى اليسارية والنقابية، ترفع شعارات مناهضة للاحتلال وتطالب بالعدالة لفلسطين. وقد تعرض المشاركون، بمن فيهم مصطفى البراهمة، لتدخل عنيف من قبل قوات الأمن، حيث تم تفريق المسيرة بالقوة، مما أسفر عن إصابات واعتقالات في صفوف المتظاهرين.

التزامه ظل ثابتا مع القضية الفلسطينية، رافض للتطبيع مع الاحتلال، حاضر في مقدمة كل التظاهرات، والمسيرات الشعبية التضامنية الكبرى مع الشعب الفلسطيني، رغم المرض، استمر في مناصرة القضية الفلسطينية. وجعل منها الفقيد بوصلة له، وقضية وطنية، ليست معزولة عن نضاله ضد النظام المغربي، منذ نشاطه في منظمة إلى الأمام، ونشاطه بالحركة الطلابية.

وجاء في كلمة ألقاها معاد الجحري نائب المنسق الوطني للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، تكريما له من طرف الجبهة خلال افتتاح أشغال مجلسها الوطني الرابع يوم 2 مارس 2024، ” مسارك هذا الحافل بالكفاح ينطبق عليه ما قاله حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش بأن خير ما تقدمونه للقضية الفلسطينية هو النضال ضد أنظمتكم الرجعية العميلة”.

رحيل أحزن الجميع

“خسارة كبيرة لكل الثوريين..الرفيق المصطفى براهمة يودعنا بعد صراع مع المرض. القيادي الماركسي والنقابي المغربي، والكاتب العام السابق لحزب النهج الديمقراطي كان رمزا ومرجعا لكل المناضلات والمناضلين. كان أول من سمعت منه تاريخ اليسار الجديد وتضحياته”. هكذا علق الصحفي عمر الراضي عن المصطفى براهمة.

ومن جهته، كتب الصحفي رشيد البلغيتي بصفحته الرسمية عبر فايسبوك، “فقد المغرب واحدا من أبنائه البَرَرَة، المصطفى براهمة، اليساري، السياسي، النقابي، الشجاع، الذي أفنى زهرة عمره في السجن دفاعا عن الفكرة التي آمن بها فكرة بسيطة تقول : الحرية شرط الآدمية”.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة