أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلاً واسعًا بعد أن لوّح، في تصريح ناري على منصته الخاصة “تروث سوشال”، باللجوء إلى “قتل عناصر حركة حماس” في حال استمرارها في “قتل الناس في غزة”، في إشارة منه إلى الإعدامات الميدانية الأخيرة التي نُسبت إلى الحركة بحق مدنيين فلسطينيين بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
وكتب ترامب قائلًا: “إذا واصلت حماس قتل الناس في غزة، وهو أمر لم يكن ضمن الاتفاق، فلن يكون أمامنا أي خيار سوى الدخول وقتلهم”، في تهديد مباشر يُعيد إلى الأذهان لغته التصعيدية التي وسمت سياسته الخارجية خلال ولايته بين 2017 و2021.
تصريح ترامب أثار تساؤلات حول خلفياته السياسية وتداعياته القانونية والدبلوماسية، خصوصًا أنه يأتي في ظرف دقيق تسعى فيه الأطراف الإقليمية والدولية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة إعمار القطاع المنهك. ويعتبر مراقبون أن الخطاب الجديد للرئيس الجمهوري السابق يندرج ضمن محاولة لاستعادة حضوره السياسي الداخلي قبيل الانتخابات المقبلة، عبر توظيف الملف الفلسطيني الإسرائيلي ضمن سردية “الحزم الأمني” التي لطالما تبناها في حملاته الانتخابية.
من الناحية القانونية، يرى خبراء أن التهديد العلني بـ“القتل” يتعارض مع القانون الدولي الإنساني ومواثيق الأمم المتحدة، إذ لا يجوز لأي دولة أو مسؤول سابق أن يلوّح بتصفية عناصر جماعة مسلحة دون مسوغات قانونية أو تفويض أممي. كما أن القطاع يُعدّ أرضًا تحت الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل أي تدخل عسكري أمريكي مباشر – في حال حدوثه – انتهاكًا صارخًا لسيادة الأراضي الفلسطينية.
دبلوماسيًا، التهديد الأمريكي المفترض من شأنه تعقيد المفاوضات غير المباشرة الجارية بين إسرائيل و”حماس” بوساطة مصرية وقطرية، خصوصًا في ما يتعلق بملف الأسرى وترتيبات ما بعد الهدنة. فمثل هذا التصريح، بحسب محللين، قد يُفسَّر على أنه غطاء سياسي لأي عملية إسرائيلية مقبلة في غزة، في وقتٍ تُحاول فيه واشنطن لعب دور الوسيط لتهدئة الأوضاع.
في المقابل، التزمت إدارة الرئيس جو بايدن الصمت حيال تصريح ترامب، مكتفية بموقفها الثابت الداعي إلى ضبط النفس وحماية المدنيين، في حين رفضت مصادر رسمية إسرائيلية التعليق على ما جاء في المنشور، معتبرة أنه “شأن داخلي أمريكي”.
أما على المستوى الفلسطيني، فقد أثار التهديد ردود فعل غاضبة من شخصيات حقوقية ومدنية رأت فيه “تحريضًا صريحًا على القتل” و”تسويقًا لمقاربة عنيفة” تُعيد الخطاب الأمريكي إلى مربع المواجهة بدل الحلول السياسية.
ويرى متتبعون أن تصريحات ترامب الأخيرة تمثل تجسيدًا لأسلوبه الشعبوي في توظيف السياسة الخارجية كأداة انتخابية، لكنها في الوقت نفسه تعكس تحولًا خطيرًا في نغمة الخطاب الأمريكي تجاه الملف الفلسطيني، في ظل تصاعد التوتر داخل غزة واشتداد التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين حول قضايا الأمن القومي والشرق الأوسط.
وبين من يعتبرها زلة لسان انتخابية، ومن يقرأها كمؤشر على عودة خطاب القوة والهيمنة، تظل تصريحات ترامب الجديدة عنوانًا لمرحلة شديدة الحساسية في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع الموقف الأمريكي الداخلي مع المشهد الميداني الغامض في غزة، في لحظة يعاد فيها رسم توازنات القوة ومفاهيم الردع في المنطقة.