كشف تقرير حديث صادم للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية (GI-TOC)، أن العملات المشفرة لم تعد مجرد وسيلة دفع تكميلية، بل تحولت إلى “تمكين جوهري” وأصل استراتيجي يعيد تشكيل خارطة الاقتصاد العالمي غير المشروع.
وأكد التقرير الصادر عن المعهد البحثي السويسري أن هذه التقنيات وفرت للشبكات الإجرامية بنية تحتية مالية مرنة وفائقة السرعة، بات من الصعب تعطيلها باستخدام أدوات إنفاذ القانون التقليدية، مما خلق فجوة واسعة بين تطور الجريمة السيبرانية وآليات الرقابة.
وأوضح التقرير أن مشهد الاقتصادات غير المشروعة يشهد “عولمة” متسارعة، حيث تسهل العملات المشفرة حركة الأموال وغسلها عبر بنيات مالية تزداد تعقيداً يوماً بعد آخر. ومن خلال دمج الأنظمة اللامركزية والمنظمة، برز نظام بيئي متكيف للغسل متعدد الطبقات، تلعب فيه منصات التداول والوسطاء والشبكات المالية غير الرسمية دوراً محورياً في تدفق رأس المال الحرام عالمياً. وأشار التقرير إلى أن العملات المستقرة، ولا سيما عملة “تيثر” (Tether)، أصبحت الركيزة الأساسية لهذه التدفقات، لقدرتها على الجمع بين سرعة النقل الرقمي والاستقرار النسبي للعملات التقليدية.
وفي سياق متصل، شدد المصدر ذاته على أن جماعات الجريمة المنظمة لم تعد تكتفي باستخدام هذه العملات للغسل فقط، بل اتخذتها “بنية تحتية تشغيلية” لإدارة طيف واسع من الجرائم؛ بدءاً من برمجيات الفدية (Ransomware) وتهريب المخدرات، وصولاً إلى الاتجار بالبشر والتملص من العقوبات الدولية. ولفت التقرير الانتباه إلى ظهور منظومات موازية تشمل “الجسور بين شبكات البلوكشين” والمحافظ غير المستضافة، مما سمح للمجرمين بتفتيت التدفقات المالية وإخفاء معالمها بعيداً عن أعين السلطات المالية.
وعلاوة على ذلك، حذر المعهد من التوسع الهائل في عمليات الاحتيال المعززة بالذكاء الاصطناعي، مثل انتحال الشخصية واحتيال العلاقات العاطفية، التي تدار عبر مجمعات احتيال واسعة النطاق في مناطق مثل جنوب شرق آسيا. ونبه التقرير إلى أن الاندماج السريع للأصول الرقمية في المعاملات السائدة، في ظل غياب قوانين دولية متسقة، يهدد بمنح الجريمة المنظمة فرصاً غير مسبوقة للتوسع، ما لم تظهر استجابات دولية أكثر تنسيقاً وحزماً.
وأمام هذا الواقع المعقد، وضع التقرير خارطة طريق عاجلة لصناع القرار، توصي بتأسيس وحدات تحقيق وطنية متخصصة في العملات المشفرة، وتزويدها بأحدث أدوات تحليل سلاسل الكتل (Blockchain Analytics). كما دعا المعهد إلى فرض إلزامية تبادل المعلومات في الوقت الفعلي بين الجهات التنظيمية ووحدات الاستخبارات المالية، مشدداً على أن السرعة التي تُنقل بها الأصول المشفرة تجعل من التبادل السريع للمعلومات ضرورة قصوى لتعقيم النظام المالي العالمي.
وفي ختام توصياته، أكد التقرير على أهمية الاستثمار في بناء قدرات المحققين والقضاة وتوحيد إجراءات الإثبات والمصادرة عبر الولايات القضائية المختلفة. وخلص المعهد السويسري إلى ضرورة تغيير استراتيجية الملاحقة، عبر إعطاء الأولوية لتعطيل “منظومات” غسل الأموال القائمة على التكنولوجيا بدلاً من التركيز على العمليات المعزولة أو الفاعلين الصغار، لضمان استرداد الأصول وتقليص المساحات التي تتحرك فيها الجريمة المنظمة في الفضاء السيبراني.