أعاد القرار الجديد الصادر عن مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، قضية الصحراء المغربية إلى قلب الأجندة الدولية، بعدما تبنى المجلس بأغلبية أعضائه القرار رقم 2797، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 “الحل الواقعي والجاد والدائم” للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء، داعيا إلى مفاوضات مباشرة بين الأطراف على أساس هذه المبادرة.
القرار الذي أعدته الولايات المتحدة بصفتها “حاملة القلم”، حظي بتأييد 11 دولة، فيما امتنعت ثلاث دول (روسيا، الصين، وباكستان) عن التصويت، بينما رفضت الجزائر المشاركة، دون تسجيل أي اعتراض داخل المجلس.
ويشكل هذا التصويت تحولا دبلوماسيا كبيرا لصالح الموقف المغربي، الذي حظي بدعم متزايد من دول العالم، وخاصة القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين المؤثرين.
وتستند مبادرة الحكم الذاتي، التي قدمها المغرب للأمم المتحدة بتاريخ 13 أبريل 2007، إلى رؤية إصلاحية تقوم على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية بأنفسهم، ضمن إطار السيادة المغربية ووحدة التراب الوطني.
فقد سلم السفير المغربي الأسبق لدى الأمم المتحدة، المصطفى ساهل، النص الكامل للمبادرة إلى الأمين العام آنذاك بان كي مون، معلنا بذلك عن دخول القضية الوطنية مرحلة جديدة من الواقعية السياسية والانفتاح التفاوضي.
وتتضمن المبادرة، المكونة من 35 بندا، تفاصيل دقيقة تضع أسس نظام متكامل للحكم الذاتي داخل المملكة، يقوم على إحداث مؤسسات جهوية منتخبة تشمل برلمانا وحكومة محليين يتمتعان بصلاحيات واسعة في مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والبيئية، مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصاتها السيادية في الدفاع والخارجية والأمن والشؤون الدينية والعملة.
وتنص المبادرة كذلك على مراجعة الدستور المغربي لإدماج نظام الحكم الذاتي ضمن بنيته الدستورية، بما يضمن استقراره ودوامه، كما تضمن احترام الهوية الثقافية الصحراوية المميزة، ومشاركة سكان الجهة في المؤسسات الوطنية كافة.
وتؤكد البنود على اعتماد آليات للتشاور والتنسيق بين الجهة والدولة المركزية، بما يضمن انسجام السياسات العمومية الوطنية مع متطلبات التنمية المحلية.
وتتضمن الوثيقة أيضا إجراءات لبناء الثقة وتهيئة المناخ الملائم لطي صفحة النزاع نهائيا، عبر إصدار عفو شامل عن كل من يرغب في العودة إلى الوطن، وإنشاء مجلس انتقالي لتدبير عودة سكان المخيمات، ونزع السلاح وإعادة إدماج العناصر المسلحة، في إطار مصالحة وطنية شاملة تؤسس لمغرب موحد ومستقر.
وقد اعتُبرت المبادرة المغربية منذ تقديمها سنة 2007 “منعطفا نوعيا” في مسار تسوية النزاع، لأنها جمعت بين الواقعية السياسية واحترام مبادئ تقرير المصير كما ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، من خلال إخضاع نظام الحكم الذاتي لاستفتاء حر لسكان الأقاليم الجنوبية، في إطار الشرعية الدولية.
وبعد تبني القرار الأممي الجديد، أعلن الملك محمد السادس، في خطاب استثنائي إلى الأمة، أن المغرب سيعمل على “تحيين وتفصيل” مبادرة الحكم الذاتي وتقديمها مجددا إلى الأمم المتحدة، مؤكدا أن “ما بعد 31 أكتوبر 2025 ليس كما قبله”، وأن المملكة تدخل “مرحلة جديدة من ترسيخ مغربية الصحراء”، داعيا سكان مخيمات تندوف إلى العودة إلى وطنهم والانخراط في مسار البناء والتنمية، وموجها نداء صادقا إلى الجزائر من أجل “حوار أخوي صادق لتجاوز الخلافات”.
ويرى مراقبون أن القرار الأممي الأخير أعاد الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتطبيق لحل النزاع، وأكد في الوقت ذاته نجاح المقاربة المغربية القائمة على الدبلوماسية الهادئة والإصلاحات العميقة، التي حولت مقترح الحكم الذاتي من فكرة سياسية إلى مشروع مؤسساتي متكامل يحظى بدعم متزايد على الصعيد العالمي.

