احتضنت ولاية جهة سوس ماسة يوماً تشاورياً استثنائياً بكل المقاييس، ترأسه الوالي سعيد أمزازي، عامل عمالة أكادير إداوتنان، في أجواء من الحوار والانفتاح والتفاعل الإيجابي، بمشاركة أزيد من 550 فاعلاً يمثلون مختلف القوى الحية بالجهة، من منتخبين وفاعلين مدنيين واقتصاديين وحقوقيين، بهدف بلورة تصورات جماعية لبرامج تنموية ترابية مدمجة، تستجيب لتطلعات الساكنة وتحقق العدالة المجالية والاجتماعية المنشودة.
اللقاء، الذي احتضنه مقر الولاية يوم الجمعة، يندرج ضمن الدينامية الوطنية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لتصميم وإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، استناداً إلى التوجيهات الملكية السامية الواردة في خطابي العرش وافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الحالية.
ويسعى هذا الورش الوطني إلى إرساء نموذج تنموي ترابي جديد، يجعل من المواطن محور السياسات العمومية وفاعلاً أساسياً في التنمية، في إطار من التضامن، والمشاركة، والمسؤولية المشتركة، بما يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها مغرب الإنصاف والعدالة المجالية.
وفي كلمته الافتتاحية، شدد والي جهة سوس ماسة على رمزية انعقاد هذا اللقاء بعاصمة الجهة، معتبراً أنه “محطة تأسيسية للتشخيص الترابي الدقيق الذي يروم استكشاف حاجيات الساكنة وتطلعاتها وفق مقاربة تشاركية وتفاعلية، تتسم بالابتكار والانفتاح والإصغاء الجماعي”.
وأوضح أن التوجيهات الملكية وضعت اللبنات الأولى لورش تشاركي واسع، غايته تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة نحو رؤية مندمجة تضمن الإنصاف الترابي وتوزيعاً عادلاً لثمار التنمية بين مختلف مناطق الجهة، مؤكداً أن “لا مكان اليوم ولا غداً لمغرب يسير بسرعتين”.
وفي هذا السياق، دعا سيدي علي ماء العينين، رئيس المركز المغربي للتكوين وتنمية القدرات، إلى جعل هذا الورش التشاوري فرصة لتجديد آليات التفكير في التنمية المحلية، مؤكداً أن “التنمية ليست أرقاماً أو مشاريع منعزلة، بل هي رؤية جماعية قوامها إشراك الجميع في صياغة الأولويات”.
وأضاف أن “أكادير وجهة سوس ماسة تحتاج إلى نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب السياسات العمومية، ويرتكز على العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وتمكين الشباب والنساء من ولوج سوق الشغل والمبادرة الاقتصادية”، مشدداً على أن المقاربة التشاركية والمندمجة هي الطريق الأنجع لضمان تنمية متوازنة ومستدامة تُعزز جاذبية الجهة وتحسّن ظروف عيش ساكنتها، خاصة بالمناطق القروية والجبلية التي ظلت لعقود تعاني من الهشاشة وضعف الخدمات الأساسية.
من جانبه، أكد الباحث في قضايا التنمية ميلود أزرهون على أن الأولويات يجب أن تنصب حول القطاعات الاجتماعية الحيوية، مثل التشغيل، والتعليم، والصحة، والتأهيل الترابي، باعتبارها المدخل الحقيقي لإنتاج الثروة وضمان الاستقرار الاجتماعي.
وأشار إلى أن “تحقيق التنمية المندمجة رهين بخلق توازن بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والانتقال من منطق الإنفاق إلى منطق الاستثمار في الإنسان، من خلال مشاريع ذات أثر ملموس تراعي خصوصيات كل منطقة”.
كما دعا إلى تعزيز التضامن بين الجهات وتكامل الأدوار بين الجماعات الترابية، في إطار حكامة رشيدة تضمن تتبع المشاريع وتقييم نتائجها، مؤكداً أن “الرهان اليوم ليس فقط إطلاق البرامج، بل ضمان فعاليتها واستدامتها في خدمة المواطن”.
وقد أجمع المتدخلون في هذا اللقاء التشاوري على أن الجيل الجديد من البرامج التنموية الترابية يجب أن يعكس رؤية جديدة لمغرب الجهات، قوامها العدالة، والابتكار، والمواطنة المنتجة، وأن يجعل من الإنسان رأسمال التنمية وغايته الكبرى.
كما أكدوا أن الجهة تمتلك مؤهلات اقتصادية وطبيعية وثقافية تؤهلها لتكون قاطرة للتنمية المستدامة بالمغرب، شريطة استثمارها في إطار رؤية منسجمة ومندمجة، تنسج التكامل بين الشمال والجنوب، والساحل والداخل، وتكرّس القيم التي حملتها المسيرة الخضراء كرمز للوحدة والإرادة الوطنية في البناء والنهضة.
وفي ختام اللقاء، شدد والي الجهة على أن نتائج هذا اليوم التشاوري ستكون منطلقاً لورشات عمل قطاعية تهدف إلى ترجمة المقترحات الميدانية إلى مشاريع ملموسة، مؤكداً أن “تنمية سوس ماسة مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني، في خدمة مغرب الأمل والمساواة والكرامة”.