بينما ترسخت في الأذهان صور نمطية تختزل تاريخ القبيلة الصحراوية في مفاهيم “الغزي” والحروب، غير أن للصحراء حسب باحثين ومهتمين وجه آخر: مجتمع يحكمه “العقل” قبل “السيف”، وتسوده دبلوماسية التعايش لا فوضى الاقتتال.
وفي هذا السياق، أكد الباحث والمهتم بالشؤون الصحراوية، سعيد بوشاكوك، أن “القبيلة” في الصحراء المغربية لم تكن مجرد تجمع ديموغرافية، بل كانت عبر التاريخ مؤسسة عقلانية لتدبير المجال وضمان الاستقرار، مشدداً على أن مبادرة الحكم الذاتي تعد اليوم الترجمة العصرية لهذه الخصوصية الثقافية والاجتماعية تحت السيادة المغربية.
القبيلة.. مدرسة للقيم وليست ساحة للحرب
وفي حديثه لـ”فبراير”، دحض بوشاكوك الصورة النمطية التي تحصر تاريخ الصحراء في مفاهيم “الغزي” (الحرب) والصراعات، موضحاً أن الأصل في الموروث الصحراوي هو “المشترك والسلم”. وأبرز المتحدث أن القبائل الصحراوية دبرت مجالها الجغرافي بعقلانية، حيث كانت العلاقات تحكمها منظومة قيمية صارمة قوامها “المصاهرة، النسب، المحبة، وحسن الجوار”.
وأضاف بوشاكوك: “كانت الثقة والضمان هما العملة السائدة، والتنقل بين القبائل تحكمه أعراف حسن الرفقة والضيافة”، داعياً إلى ضرورة العودة لهذه المنظومة القيمية واستثمار المخطوطات والوثائق العدلية التاريخية التي تزخر بها المنطقة وتوجد بمعارض وزارة العدل، والتي توثق لأحكام قضائية ومعاملات تثبت تجذر الأمن والاستقرار الذي لعبت فيه الزوايا دوراً محورياً.
الروابط مع العرش.. ولاء مباشر بلا وسائط
وعن العلاقة بين ساكنة الصحراء والمؤسسة الملكية، شدد الباحث على أن هذا الارتباط “عضوي وتاريخي” لا يحتاج إلى وسطاء. واستحضر بوشاكوك محطات تاريخية فارقة، بدءاً من الحزن العميق الذي عم الصحراء ولبس الساكنة للسواد وامتناعهم عن الاحتفال بالعيد عند نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، وصولاً إلى مبادرات الملك الراحل الحسن الثاني.
واستشهد المتحدث برمزية قوية حينما أهدى الملك الحسن الثاني “سلهامه” لأحد رموز الصحراء، الحاج خطري ولد سعيد الجماني، معتبراً أن هذه الحركة تختزل معاني “الأمانة، الثقة، والمسؤولية”. وأكد بوشاكوك أن المؤسسة الملكية ظلت دائماً الحاضنة لكل أبناء الوطن، بما في ذلك المعارضين، مستشهداً بمحطات المصالحة التي قادها شيوخ القبائل، والتي أثبتت أن المغرب دولة مؤسسات تتسع للجميع.
الحكم الذاتي.. أرقى أشكال تقرير المصير
وفي سياق حديثه عن التطورات الأخيرة، وصف بوشاكوك الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الـ50 للمسيرة الخضراء بأنه “خطاب الحسم والوضوح”. واعتبر أن المغرب، بفضل الرؤية الملكية المتبصرة التي تجمع بين التراكم المعرفي الأكاديمي والحنكة السياسية، استطاع أن يفرض واقعاً جديداً يتوج بالاعترافات الدولية المتوالية.
ويرى الباحث أن مبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد حل سياسي، بل هي “أرقى أشكال تقرير المصير” التي تحترم الخصوصيات المحلية والجهوية دون المساس بوحدة الدولة، تماشياً مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يحفظ الحدود الموروثة عن الاستعمار.
رسالة إلى مخيمات تندوف: “الفرصة البديلة”
وفي ختام حديثه، وجه بوشاكوك رسالة مباشرة بخصوص ساكنة مخيمات تندوف، ملتقطاً الإشارات الإنسانية في الخطاب الملكي الذي وصفهم بـ”إخواننا في المخيمات” دون ذكر البوليساريو. واعتبر الباحث أن الوضع الحالي يمثل “فرصة تاريخية” أو ما يسمى في الاقتصاد بـ”الفرصة البديلة” التي يجب التقاطها قبل فوات الأوان وتغير المعطيات الدولية.
ودعا بوشاكوك النخب إلى الانخراط في الترويج لآليات تنزيل الحكم الذاتي، وطمأنة ساكنة المخيمات بوجود “بنية استقبال” تضمن لهم الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، والحق في الممارسة السياسية وتدبير شؤونهم بأنفسهم في إطار السيادة المغربية، بعيداً عن وهم الانتظار والجمود الذي طال أمده.