الرئيسية / سياسة / الرباط وباريس تعيدان بناء الجسور عبر استقبال وفد الأقاليم الجنوبية في مجلس الشيوخ

الرباط وباريس تعيدان بناء الجسور عبر استقبال وفد الأقاليم الجنوبية في مجلس الشيوخ

 استقبل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، اليوم الاثنين بالرباط، رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشي، الذي يقوم بزيارة عمل إلى المغرب.
سياسة
راوية الذهبي 11 ديسمبر 2025 - 20:00
A+ / A-

تكشف الزيارة التي قام بها وفد رفيع يمثل جهات الأقاليم الجنوبية للمملكة إلى باريس عن لحظة دبلوماسية لافتة، تحمل رسائل واضحة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى إعادة ترتيب الأوراق داخل محور الرباط–باريس، خصوصا بعد صدور القرار الأممي الأخير حول الصحراء المغربية وما صاحبه من دعم قوي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

فاللقاء الذي جمع الوفد المغربي بقيادة مسؤولي الجهات الثلاث مع أعضاء مكتب مجموعة الصداقة الفرنسية–المغربية بمجلس الشيوخ، جاء في توقيت سياسي دقيق يعيد التأكيد على عودة الدفء بين البلدين، وعلى توجّه فرنسي متدرج نحو تثبيت موقف أكثر وضوحا وانسجاما مع التطورات الميدانية والدولية المتعلقة بالملف.

ويبدو من خلال مداخلات السيناتور أوليفييه بيتز، نائب رئيس مجموعة الصداقة، أن المؤسسة التشريعية الفرنسية تميل اليوم إلى خطاب أكثر صراحة في دعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مع الاعتراف الصريح بالدينامية التنموية غير المسبوقة التي تعرفها هذه الأقاليم تحت القيادة الملكية.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن سياق مزدوج: من جهة، تأكيد مجلس الأمن مؤخراً على مركزية المبادرة المغربية في التسوية، ومن جهة أخرى، الحاجة الفرنسية إلى ترميم علاقاتها المغاربية وتقوية حضورها في منطقة تتنافس عليها قوى دولية وإقليمية.

ولعل احتفاء مجلس الشيوخ قبل أسابيع بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء داخل قصر لوكسمبورغ، ثم زيارة رئيسه جيرار لارشي لمدينة العيون، يندرجان ضمن المؤشرات التي تفيد بإرادة سياسية واضحة لتطوير الموقف الفرنسي والدفع نحو تعاون مؤسساتي أوسع، أساسه الجهوية المتقدمة كنموذج مغربي يتقاطع مع الخيارات اللامركزية التي تبني عليها فرنسا جزءا كبيرا من سياستها الداخلية والخارجية.

ولم يكن حضور رؤساء جهات الأقاليم الجنوبية حدثا شكلياً، بل محطة لعرض المعطيات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية الكبرى التي تعرفها المنطقة، بما في ذلك الاستثمارات الضخمة في الطاقات المتجددة، البنيات التحتية، النقل البحري، وتطوير الأقطاب الجامعية.

وهي مشاريع تكتسي اليوم أهمية استراتيجية بالنسبة لفرنسا التي تبحث عن موطئ قدم متجدد في سوق الاستثمار الإفريقي انطلاقاً من شريك مستقر وموثوق مثل المغرب. ولذلك جاء استقبال الوفد في مجلس الشيوخ ثم الجمعية الوطنية، إضافة إلى محادثات مع وزير الخارجية الفرنسي، ليعكس إدراك باريس أن مستقبل علاقاتها الاقتصادية في المنطقة يمر عبر الأقاليم الجنوبية باعتبارها بوابة نحو إفريقيا جنوب الصحراء ضمن مشروع “المغرب القاري”.

وفي هذا الإطار، تملك الزيارة بعداً إضافياً يرتبط بإعادة بناء الثقة بين البلدين، بعد مرحلة من التوتر الصامت. فالمغرب اليوم بصدد تثبيت موقعه كشريك استراتيجي لفرنسا في ملفات الأمن، الهجرة، الطاقة والبحث العلمي، وفرنسا تُدرك أن أي تأخير في تطوير هذا التعاون قد يفسح المجال لقوى دولية أخرى لملء الفراغ، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة، التي عززت حضورها في الصحراء بعد افتتاح قنصلية في الداخلة، أو بالصين التي تستثمر بكثافة في البنيات التحتية الإفريقية.

كما أن في اللقاء إشارة واضحة إلى أن التعاون اللامركزي، وهو محور مركزي في الحوار بين الجانبين، يمكن أن يتحول إلى أداة دبلوماسية جديدة تمنح جهات المغرب فرصة بناء شراكات مباشرة مع نظيراتها الفرنسية، بما يخلق جسور تواصل إضافية موازية للدبلوماسية الرسمية.

وهذا التوجه يتقاطع مع رؤية المغرب في تنزيل الجهوية المتقدمة كنموذج للحكامة الترابية، وكآلية لتعزيز الشرعية الدولية للحكم الذاتي باعتباره تصوراً متقدماً للتدبير المحلي.

ومن زاوية سياسية أعمق، تأتي هذه الزيارة لتعزيز سردية المغرب في المحافل الدولية، القائلة بأن الأقاليم الجنوبية ليست مجرد ملف نزاع، بل فضاء مؤسساتي كامل، له مجالسه المنتخبة، ومشاريعه العملاقة، ونخبه الترابية القادرة على الحوار المباشر مع شركاء دوليين. وهي رسالة تتقاطع مع مقاربة مجلس الأمن الذي دعا إلى إشراك منتخبين محليين في العملية السياسية، ما يجعل اللقاء بباريس ممارسة عملية للدبلوماسية الجهوية التي يدافع عنها المغرب منذ سنوات.

وعليه، يمكن القول إن زيارة وفد الأقاليم الجنوبية لباريس لم تكن لقاءً عادياً، بل محطة دبلوماسية ذات دلالات مركبة: دعم فرنسي متقدم للحكم الذاتي، اعتراف بقوة النموذج التنموي في الصحراء، رغبة مشتركة في توسيع التعاون اللامركزي، وإعادة بناء جسور الثقة بين الرباط وباريس في ظل تحولات جيوسياسية واسعة.

كما شكلت مناسبة لتأكيد أن التنمية والاستقرار في الأقاليم الجنوبية ليست فقط خياراً وطنياً مغربياً، بل فرصة دولية لشركاء يبحثون عن نموذج ناجح في محيط إقليمي مضطرب.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة