المجتمع المدني بالصحراء.. “القوة الناعمة” التي تحصن الوحدة وتعبد طريق الحكم الذاتي
لم تعد الأقاليم الجنوبية للمملكة ورشة مفتوحة للمشاريع التنموية والعمرانية فحسب، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مشتل خصب لدينامية مدنية تقودها نخب محلية شابة وفعاليات قبلية وحقوقية، هذا النسيج الجمعوي بات يلعب دوراً محورياً يتجاوز العمل التطوعي التقليدي، ليصبح “جدار صد” يجسد اللحمة الوطنية بين مكونات المجتمع الصحراوي، وقوة اقتراحية تمهد الأرضية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي كواقع معاش قبل أن تكون حلاً سياسياً.
ويُجمع مراقبون للشأن المحلي بالصحراء المغربية على أن المنطقة تشهد تحولاً نوعياً في بنية المجتمع. فبينما تظل الروابط القبلية ركيزة للاستقرار الاجتماعي، نجح المجتمع المدني في “عصرنة” هذه الروابط وتحويلها إلى آليات للترافع عن مغربية الصحراء.
لم يعد الدور مقتصرًا على الأعيان والشيوخ فقط، بل برزت جمعيات تهتم بحقوق الإنسان، التنمية المستدامة، والتمكين الاقتصادي، تعمل جميعها تحت سقف الثوابت الوطنية. هذا التنوع خلق ما يشبه “الإجماع الشعبي” الذي يقطع الطريق على دعوات الانفصال، ويقدم للعالم صورة حقيقية عن تشبث الصحراويين بوطنهم الأم.
ومن جهتهم يرى اعلون مدنيون أن انخراطهم في تدبير الشأن العام المحلي، عبر الهيئات الاستشارية والمجالس المنتخبة والمشاريع التنموية، هو في حد ذاته “تمرين ديمقراطي” على الحكم الذاتي. فالمقترح الذي قدمه المغرب عام 2007، لم يعد مجرد ورقة في أروقة الأمم المتحدة، بل أصبح رؤية يترجمها المجتمع المدني من خلال المطالبة بصلاحيات أوسع في التدبير المحلي في إطار السيادة المغربية.
وفي هذا السياق، طفح إلى السطح دور “الدبلوماسية الموازية” التي يقودها أبناء المنطقة، ولتسليط الضوء أكثر على هذا الدور، استقينا تصريحات من فاعلين يمثلون هذا التوجه، مؤكدين أن المجتمع المدني في الصحراء اليوم تجاوز مرحلة الشعارات إلى مرحلة الترافع المنتج، نحن لا ندافع عن الوحدة الترابية بالعاطفة فقط، بل بالأرقام وبقصص النجاح التنموي، إن اللحمة التي نراها اليوم بين مختلف مكونات القبائل الصحراوية تحت الراية المغربية هي الرد العملي الحاسم على خصوم الوحدة الترابية. نحن نعتبر أننا نمارس الحكم الذاتي فعلياً من خلال تدبيرنا لشؤوننا المحلية ومشاركتنا في صياغة النموذج التنموي الجديد.”
ومن جهتها، تؤكد المواطنة الصحراوية، (ف.س)، رئيسة جمعية نسوية بمدينة العيون: “المرأة الصحراوية كانت دائماً صمام أمان داخل الخيمة، واليوم نقلت هذا الدور إلى المؤسسات والجمعيات. دورنا اليوم هو ترسيخ ثقافة الانتماء لدى الأجيال الصاعدة، وشرح أن مبادرة الحكم الذاتي هي الحل الوحيد الذي يضمن الكرامة والازدهار. ما نقوم به من برامج إدماج وتوعية هو تحصين للجبهة الداخلية، وتأكيد على أن مستقبل الصحراويين لا يمكن أن يكون إلا ضمن مغرب موحد وقوي.”
إن الحراك المدني في الأقاليم الجنوبية يؤكد حقيقة ساطعة: معركة الصحراء ليست عسكرية أو دبلوماسية فحسب، بل هي معركة وعي وانتماء كسبها المغرب بفضل انخراط أبناء المنطقة.
فالمجتمع المدني، بوعيه ونضجه، أصبح هو الحامل الشرعي لمشروع الحكم الذاتي، والمجسد الحي للحمة وطنية عصية على الاختراق، مؤسساً بذلك لمرحلة جديدة يكون فيها “الصحراوي” هو الفاعل الأول في بناء مستقبل منطقته في ظل السيادة المغربية.