فنزويلا ولعبة “العصا والجزرة”

أعادت عملية يناير 2026 طرح سؤال تقليدي في علم الاستراتيجية: هل يمكن تحقيق نتيجة سياسية كبرى من دون احتلال عسكري مباشر؟

تُقدَّم المقاربة الأميركية—وفق ما يُتداول في الخطاب السياسي الراهن—على أنها تسعى لتجنب نشر واسع للقوات على الأرض. وفي الوقت نفسه، تظل الإدارة اليومية داخل فنزويلا قائمة من خلال المؤسسات، الإدارة، وسلاسل القرار التي تستمر في تسيير الشأن العام.
هنا يبرز سيناريو وسيط يمكن تسميته بـ «الإكراه عن بُعد»، والذي يهدف إلى توجيه المسار السياسي نحو انتخابات أو ترتيبات انتقالية، مع محاولة تجنب الكلفة الباهظة للاحتلال التقليدي.

المفارقة: التأثير في النتيجة السياسية من دون الإمساك بالأرض

تاريخياً، يحمل الاحتلال كلفة بشرية ومالية وسياسية، ويزيد من احتمالات الاستنزاف طويل الأمد. لذلك، تسعى القوى الكبرى غالباً إلى استخدام أدوات أقل ظهوراً، لكنها فعالة بما يكفي لتغيير حسابات النخب الحاكمة من دون الحاجة لإدارة البلاد بشكل مباشر.
يقوم مبدأ «الإكراه عن بُعد» على مزيج دقيق من الحوافز (مثل الاعتراف السياسي، رفع القيود، والوعود الاستثمارية) والتهديدات (العزلة الدولية، تجميد الأصول، والتضييق على التدفقات المالية).

أدوات «الإكراه عن بُعد»: أربعة مسارات متداخلة

لتحقيق هذا النموذج، يمكن تلخيص أهم الأدوات المستخدمة في أربعة مسارات استراتيجية متداخلة:

التحكم في البيئة (جو/بحر/تدفقات): عبر المراقبة المستمرة، وامتلاك قدرة الاعتراض، وضبط الممرات اللوجستية عن بُعد دون الحاجة لتمركز دائم للقوات على الأرض.

ضغط اقتصادي مُعايَر: يتمثل في تعديل القيود والعقوبات، منح تراخيص محددة، تجميد أو فك تجميد الأصول، وربط الوصول إلى الموارد الاقتصادية بدرجات محددة من التعاون السياسي.

الطاقة كعملة تفاوض: استخدام ورقة النفط بربط الوعود بالاستثمار وإعادة تشغيل القطاع بخطوات سياسية وإجرائية ملموسة وقابلة للتحقق.

إسناد لوجستي/إقليمي: عقد ترتيبات عبور، والسماح بالتحليق، واستخدام مطارات ومرافئ دول الجوار لأغراض الدعم، مما يتيح استمرارية العمليات دون احتلال الأراضي الفنزويلية.

«الزمن الانتخابي»: تنظيم الانتقال من دون الحكم المباشر

في هذا السياق، يُطرح الإطار الانتخابي بوصفه المخرج السياسي الأنسب للأزمة؛ حيث تستمر الإدارة اليومية المحلية، مع ربط التطبيع الاقتصادي والدبلوماسي بخطوات انتخابية قابلة للقياس (توفير ضمانات، وجود مراقبة دولية، خلق بيئة تنافسية، وتحقيق شروط أمنية).
إلا أن هذا المسار لا يخلو من الهشاشة؛ فكلما زادت الشروط الخارجية المفروضة، زادت في المقابل فرص التأجيل، أو الالتفاف على القرارات، أو إعادة الترتيب الداخلي بما يغيّر قواعد اللعبة السياسية.

استمرار الدولة: عنصر استقرار مؤقت أم إعادة تموضع للنخبة؟

قد يمنع استمرار الإدارة الحالية حدوث انهيار فوري للدولة، لكنه قد يخفي في طياته إعادة توزيع لمراكز القوى داخل النخبة الحاكمة، أو تشددات أمنية، أو صراعات داخلية مكتومة. في نموذج «الإكراه عن بُعد»، قد تبدو هذه الاستمرارية وكأنها حالة من «الاستقرار»، لكنها قد تكون أيضاً مجرد واجهة لاستقطاب داخلي حاد أو عمليات تفاوض غير معلنة تجري خلف الكواليس.

البعد الإقليمي: الدعم اللوجستي كبديل عن الحضور على الأرض

تكتسب الترتيبات اللوجستية الإقليمية أهمية خاصة وحيوية في هذا النموذج؛ فالسماح بالعبور أو استخدام مطارات وممرات الدول المجاورة لأغراض الدعم يتيح استمرار العمليات وممارسة الضغط دون الحاجة لتمركز عسكري كبير داخل فنزويلا. كما تحمل هذه الترتيبات في طياتها رسائل سياسية واضحة حول بناء حد أدنى من شبكة مساندة إقليمية لهذا المسار.

«إكراه أقل ظهوراً» لا يعني بالضرورة مساراً سلمياً

في الختام، قد تخفف مقاربة «الإكراه عن بُعد» من كلفة الاحتلال المباشر، لكنها لا تضمن بالضرورة تهدئة تلقائية للأوضاع. فهي قد تنتج تصعيداً تدريجياً عبر الضغوط الاقتصادية المتزايدة، أو الاحتكاكات الأمنية، أو الارتدادات الداخلية غير المحسوبة.
ويبقى تقييم نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بالإجابة عن ثلاثة أسئلة جوهرية: ما مستوى الإكراه المستخدم؟ ما الهدف السياسي المحدد بدقة؟ وما هي الكلفة الاجتماعية والأمنية المتوقعة؟

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store