فوزي لقجع.. الوجه الآخر لنجاحات “أسود الأطلس”
كانت الليلة باردة في الدوحة حين صفّر الحكم إيلانًا بنهاية المباراة. على العشب الأخضر لاستاد البيت، سقط اللاعبون المغاربة من الإرهاق والفرح معًا. للمرة الأولى في التاريخ، يصل منتخب عربي وأفريقي إلى نصف نهائي كأس العالم. في المدرجات، وبين آلاف المشجعين الذين رفعوا الأعلام المغربية، وقف رجل بكل هدوء، ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه، لا يصرخ ولا يقفز، لكن عينيه تحكيان قصة طويلة من التخطيط والإصرار. هذا الرجل هو فوزي لقجع.
لم يأتِ هذا المشهد من فراغ، ولم يكن وليد صدفة أو حظ عابر، خلف كل هدف سُجّل، وخلف كل فوز تحقق، كانت هناك رؤية استراتيجية بُنيت على مدار سنوات. رجل من بركان، حمل معه عقلية المهندس الدقيق وخبرة موظف المالية المحنّك، ليحوّل الكرة المغربية من مجرد رياضة إلى مشروع نهضة وطنية حقيقية.
من نادٍ محلي صغير إلى قمة الفيفا، ومن موظف في وزارة المالية إلى وزير منتدب وصانع أمجاد، فوزي لقجع أعاد تعريف معنى النجاح الرياضي في أفريقيا والعالم العربي.
وُلد فوزي لقجع في 23 يوليو 1970 في بركان، لعائلة محافظة من الطبقة المتوسطة، حيث كان والده مدرسًا للغة العربية قبل أن يصبح مفتشًا تربويًا. نشأ لقجع في بيئة تقدّر العلم والانضباط، فتفوق في دراسته الثانوية ليحصل على شهادة البكالوريا شعبة العلوم التجريبية عام 1988.
التحق بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، حيث نال شهادة مهندس زراعي، لتبدأ رحلته المهنية في وزارة الفلاحة. لكن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد، فأكمل دراسته بالمدرسة الوطنية للإدارة، تلك المؤسسة العريقة التي تخرّج منها أبرز إطارات الدولة المغربية.
عمل لقجع في المفتشية العامة للمالية، ثم شغل منصب مدير ميزانية الدولة في يناير 2010، لتعكس مسيرته المهنية مزيجًا نادرًا من الكفاءة التقنية والرؤية الاستراتيجية. هذا المزيج سيكون المفتاح الذي يفتح به أبواب النجاح في عالم كرة القدم لاحقًا.
الدخول إلى عالم الكرة: من نادٍ محلي إلى رئاسة الجامعة
في شتنبر 2009، قرر فوزي لقجع خوض تجربة جديدة تمامًا، انتُخب رئيسًا لنادي النهضة البركانية، ليبدأ رحلته في إدارة كرة القدم من القاعدة، من النادي المحلي في مسقط رأسه. كانت خطوة تبدو بسيطة في ذلك الوقت، لكنها كانت الشرارة التي أشعلت ثورة حقيقية في الكرة المغربية.
بعد أربع سنوات فقط، في 11 نوفمبر 2013، حققت الكرة المغربية المفاجأة الكبرى. انتُخب فوزي لقجع رئيسًا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، خلفًا لعلي الفاسي الفهري، في لحظة كان المنتخب المغربي يعاني من التواضع والإخفاقات المتكررة، وكانت البنية التحتية الكروية بحاجة ماسة إلى تطوير جذري.
الصعود القاري والدولي: من المحلية إلى العالمية
لم يكتف لقجع بالإدارة المحلية، ففي 16 مارس 2017، انتُخب عضوًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، في انتخابات شهدت منافسة قوية، حيث حصل على 41 صوتًا مقابل 7 أصوات لمنافسه الجزائري محمد روراوة. ولاحقًا، تم تعيينه نائبًا ثانيًا لرئيس الاتحاد الأفريقي، وأُوكلت إليه رئاسة لجان حساسة كالمالية والمنافسات والأندية.
في 2021، وصل نفوذ لقجع إلى أعلى المستويات الدولية، حين انتُخب عضوًا في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ليصبح صوت المغرب وأفريقيا في أهم مؤسسة كروية عالمية. هذا الصعود لم يكن مجرد تراكم للمناصب، بل كان انعكاسًا لكفاءة إدارية استثنائية وقدرة على التأثير في القرارات الكبرى.
الرؤية الاستراتيجية: بناء قوة كروية مستدامة
مقربون من المسؤول الرياضي، اعترفوا أن ما يميز فوزي لقجع عن غيره من المسؤولين الرياضيين هو رؤيته الشاملة طويلة المدى، حيث أكد لقجع أن التحول الذي عرفته كرة القدم الوطنية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء حصيلة مسار طويل قائم على رؤية استراتيجية واضحة المعالم.
منذ توليه رئاسة الجامعة، عمل لقجع على عدة محاور أساسية:
البنية التحتية: استثمار ضخم في بناء أكاديميات حديثة، على رأسها مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي أصبح صرحًا رياضيًا عالميًا يضم أحدث المرافق التدريبية والتكوينية. كما تم إنشاء أكاديميات جهوية في مختلف مدن المملكة، لضمان اكتشاف المواهب الشابة من كل الجهات.
الاستثمار في الكوادر الوطنية: على عكس الاتجاه السائد في كثير من الدول التي تستقدم المدربين الأجانب بأسعار باهظة، اعتمد لقجع سياسة الاستثمار في المدربين المحليين، مع دعمهم وتهيئتهم عبر دورات تدريبية متقدمة. هذا الخيار أثبت نجاحه بشكل مذهل، حيث حقق المدربون الوطنيون إنجازات غير مسبوقة.
تطوير الفئات العمرية: إيمانًا بأن المستقبل يُصنع من القاعدة، أُنشئت برامج متقدمة للناشئين والشباب، مع ربطها بالمنتخبات الوطنية. هذا التخطيط طويل المدى بدأ يؤتي ثماره بشكل لافت.
الكرة النسوية: لم تُهمل الكرة النسوية في هذه الرؤية، حيث حظيت باهتمام ودعم غير مسبوقين، مما أدى إلى تطور ملحوظ في مستوى المنتخبات النسوية.
الإنجازات: حصاد ذهبي غير مسبوق
منذ 2013، شهدت الكرة المغربية طفرة نوعية على جميع المستويات:
في مونديال قطر 2022، كتب المنتخب المغربي أعظم إنجاز في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية. بقيادة المدرب وليد الركراكي، وصل أسود الأطلس إلى نصف نهائي كأس العالم، هازمًا عمالقة مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال. في 20 ديسمبر 2022، وُشِّح لقجع بوسام العرش من درجة قائد بعد هذا الإنجاز التاريخي.
في سبتمبر 2025، حقق المنتخب المغربي للشباب تحت 20 عامًا الحلم المستحيل. تُوّج المنتخب بلقب كأس العالم في تشيلي بعد فوزه على الأرجنتين 2-0، بقيادة المدرب الوطني محمد وهبي. كان التتويج تأكيدًا على نجاح الاستراتيجية طويلة المدى، وإثباتًا على أن الاستثمار في الشباب والكوادر المحلية هو الطريق الصحيح.
حقق المنتخب المغربي لقب الشان للمرة الثالثة في تاريخه (2018، 2022، 2025)، بقيادة مدربين وطنيين هم جمال السلامي، الحسين عموتة، وطارق السكتيوي، ليصبح المغرب القوة المهيمنة على هذه البطولة القارية.
في أولمبياد باريس 2024، حقق المنتخب الأولمبي المغربي برونزية تاريخية، أول ميدالية أولمبية في تاريخ الكرة المغربية، تحت قيادة طارق السكتيوي.
تُوج المنتخب المغربي تحت 17 سنة بلقب كأس أمم أفريقيا، وتأهل إلى نهائيات كأس العالم في قطر 2025، حيث رفع لقجع سقف الطموحات، محفزًا الفريق على تحقيق اللقب العالمي.
تأهل المنتخب النسوي المغربي إلى نهائي كأس أفريقيا مرتين متتاليتين، وبلغ ثمن نهائي كأس العالم. كما تُوجت سيدات الفوتسال بلقب كأس أفريقيا، وفاز فريق الجيش الملكي بدوري أبطال أفريقيا للسيدات 2022.
في أكتوبر 2021، عيّن الملك محمد السادس فوزي لقجع وزيرًا منتدبًا لدى وزيرة الاقتصاد والمالية، مكلفًا بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش. هذا التعيين عكس ثقة القيادة المغربية في كفاءته الإدارية والتنظيمية، وقدرته على الجمع بين المسؤوليات الحكومية والرياضية بكفاءة عالية.
مونديال 2030: الحلم الأكبر
في 16 يونيو 2023، عيّن لقجع رئيسًا للجنة المكلفة بملف ترشيح المغرب لكأس العالم 2030، ضمن الملف المشترك مع إسبانيا والبرتغال. نجح المغرب في الفوز بحق الاستضافة، ليكون أول بلد أفريقي يستضيف المونديال منذ جنوب أفريقيا 2010، وليكتمل مشروع لقجع الطموح بتنظيم أكبر حدث كروي عالمي.
الفلسفة الإدارية: رؤية ملكية
يؤكد لقجع دائمًا أن النجاحات المحققة ليست إنجازًا شخصيًا، بل هي ثمرة لرؤية ملكية سامية. يقول لقجع إن الإنجازات تُعد تتويجًا لرؤية الملك محمد السادس، وأن التحول الفعلي انطلق بعد إنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009.
يرى لقجع أن “القاسم المشترك بين جميع المنتخبات الوطنية هو الروح القتالية، والقدرة على منافسة من كانوا يُعتبرون كبارًا في تاريخ كرة القدم”. هذه العقلية التي زرعها في جميع المنتخبات، من الرجال والنساء، من الكبار والصغار، هي التي كسرت حاجز الخوف وحوّلت المنتخبات المغربية من فرق متواضعة إلى منافس شرس على جميع المستويات.
التحديات والانتقادات
لم تخلُ مسيرة لقجع من التحديات والانتقادات. في المنطقة المغاربية المشحونة سياسيًا، واجه لقجع حملات إعلامية من بعض الدول المجاورة، خاصة بعد نجاحاته المتتالية على المستوى القاري. لكنه تعامل مع كل ذلك بهدوء واحترافية، مركزًا على العمل والإنجاز بدلًا من الدخول في مهاترات إعلامية.
داخليًا، واجه تحديات إدارية ومالية في بداية توليه المسؤولية، لكن خبرته في المالية العامة ساعدته على إدارة الموارد بكفاءة عالية، وجذب الاستثمارات والشراكات التي مكّنت من تطوير البنية التحتية.
تغيير جذري في الكرة الأفريقية
ما حققه فوزي لقجع تجاوز حدود المغرب، فما حققته المملكة في قطاع كرة القدم يشكل مصدر إلهام للبلدان الأفريقية والعربية. نموذج التنمية الكروية المغربي أصبح مرجعًا تدرسه العديد من الدول، خاصة في مجال البنية التحتية، الأكاديميات، والاستثمار في الكوادر المحلية.
في 2018، حصل لقجع على جائزة يدينكاتشو تيسيما لأحسن رئيس اتحاد كروي في أفريقيا، وهي جائزة تعكس التقدير القاري لعمله ونجاحاته.
طموحات بلا حدود
رغم كل الإنجازات، يبقى لقجع طموحًا للمزيد. يعبّر عن طموحه في تحقيق لقب عالمي مع المنتخب الأول، قائلًا: “أعتقد أننا سنشهد في أقرب الآجال منتخبًا مغربيًا يُتوج بطلًا للعالم”.
مع اقتراب مونديال 2030 الذي سيُقام جزئيًا في المغرب، وكأس أفريقيا 2025 المقررة في المملكة، تبدو الأعوام القادمة حاسمة في مسيرة لقجع. التحديات كبيرة، لكن التاريخ يثبت أن هذا الرجل الهادئ، القادم من بركان، قادر على تحويل الأحلام إلى حقائق.
المهندس الذي بنى أمجادًا
فوزي لقجع ليس مجرد مسؤول رياضي، بل مهندس استراتيجي، صاحب رؤية وإصرار. من مكتبه في وزارة المالية إلى أروقة الفيفا، ومن نادٍ محلي صغير إلى قيادة ملف مونديال 2030، رسم لقجع مسارًا استثنائيًا جعل منه أحد أبرز الشخصيات الرياضية في القارة الأفريقية.
ما يميزه هو إيمانه العميق بأن النجاح الرياضي ليس مجرد ألقاب عابرة، بل مشروع مجتمعي شامل يتطلب استثمارًا في الإنسان، في البنية التحتية، وفي الرؤية طويلة المدى. اليوم، عندما يحتفل المغاربة بكل تتويج جديد، يعرفون أن وراء هذا النجاح رجلاً آمن بالحلم وحوّله إلى واقع.
في عصر تحكمه المصالح السريعة والنتائج الفورية، يقدم فوزي لقجع نموذجًا مختلفًا: نموذج الصبر، التخطيط، الرؤية الاستراتيجية، والإيمان بالكوادر الوطنية. إنه درس في الإدارة الرياضية الحديثة، ورسالة أمل لكل الشباب الأفريقي بأن النجاح ممكن، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج فقط إلى عزيمة وعمل دؤوب وإيمان لا يتزعزع.