الحلم يتبخر عند العتبة الأخيرة
خسرنا “الكان”، وعقدة خمسين عاماً أبت إلا أن تنحت جرحا جديدا في ذاكرة جيل كان يمني النفس بأن يكون عام 2026 هو عام “فك النحس” ومعانقة الذهب المفقود منذ ملحمة أديس أبابا.
صافرة النهاية تلك التي أطلقها حكم المباراة في مجمع الأمير مولاي عبد الله بالرباط، أيقظت ملايين المغاربة من حلم جميل عاشوه بقلوبهم وجوارحهم لأسابيع. فجأة، تحول الصخب الهستيري والألوان الحمراء التي زينت سماء العاصمة إلى صمت رهيب، صمت يضج بأسئلة “لماذا؟” و”كيف؟”، وصمت يبتلع غصةً وقفت في حلوق الآلاف الذين حجوا للملعب، والملايين الذين تسمروا خلف الشاشات.
كانت الأجواء مهيأة لسيناريو سينمائي سعيد؛ الأرض، الجمهور، التاريخ، وكتيبة من النجوم العالميين، لكن كرة القدم، بمعادلتها القاسية التي لا تعترف إلا بالأهداف، اختارت أن تدير ظهرها لأصحاب الأرض. المنتخب السنغالي، ذلك المنافس العنيد والقوي، لم يسرق الفوز، بل انتزعه في مباراة حبست الأنفاس، ليثبت أن أدغال إفريقيا لا تعترف بالسيناريوهات المكتوبة مسبقاً، حتى وإن كانت المباراة على أرضك وبين جماهيرك.
مشهد النهاية كان مؤلماً حد الدمع. رأينا “أسوداً” تسقط على العشب لا تعباً، بل قهراً. دموع أشرف حكيمي التي انهمرت لم تكن مجرد مياه مالحة، بل كانت ذوبان حلم طفولي وحمل ثقيل وضعه القائد على كتفيه. ونظرات إبراهيم دياز التائهة كانت تبحث عن إجابة لمنطق الكرة الذي خذل موهبته في الأمتار الأخيرة. حتى وليد الركراكي، الرجل الذي صنع المعجزات سابقاً، وقف عاجزاً أمام مشيئة القدر الكروي، يواسي أبناءه وهو أحوج الناس للمواساة.
خسرنا اللقب، وتأجل الموعد مع التاريخ مرة أخرى. لكن وسط مرارة الهزيمة، لا يمكن إلا أن نرفع القبعات لجيل قاتل بشرف. لم يبخلوا بقطرة عرق، ولم يترددوا في الالتحام، لكن “التوفيق” كان سنغالياً هذه الليلة.
الليلة، ستنام الرباط حزينة، وستطوي الأعلام التي كانت ترفرف في الشرفات بحسرة، لكن في عيون الأطفال الذين بكوا بحرقة درسٌ قاسٍ ومهم: في كرة القدم، كما في الحياة، قد تفعل كل شيء صحيح، ومع ذلك قد لا تصل.
خسرنا الكأس، نعم، واستمرت العقدة.. لكننا لم نخسر الفريق، ولم نخسر الشغف. سيمر الألم، وسيبقى حب هذا الوطن وهذا القميص أقوى من أي لقب ضائع. هي استراحة محارب لأسود جرحت كبرياءهم، والجرح – كما يعلم الجميع – غالباً ما يجعل الأسد أكثر شراسة في المعارك القادمة.