من شغف مبكر بالمطبخ، إلى احتراف دقيق لفن الحلويات، يختصر مسار محمد أفشكو، الشيف المتخصص في الباتيسري، رحلة طويلة من التعلم والمثابرة، بدأت منذ الطفولة ولم تتوقف عند حدود التقليد أو الوصفات الجاهزة.
أفشكو، البالغ من العمر 30 سنة، أوضح في تصريح لموقع فبراير أن دخوله عالم الحلويات يعود إلى سنة 2008، حين كان لا يزال تلميذًا في المرحلة الإعدادية، يخرج من المدرسة ليشتغل يوميًا إلى جانب والده، الذي كان يشتغل بدوره في المجال. هذا الاحتكاك المبكر، الذي امتد طيلة سنوات الإعدادي والثانوي، منحه أفضلية كبيرة، إذ مكّنه من اكتساب الحرفة في سن مبكرة، والوصول إلى مستوى احترافي قبل حتى الحصول على شهادة الباكالوريا، خصوصًا وأن والده كان يعتمد أسلوبًا صارمًا في التكوين، وصفه أفشكو بـ”النظام العسكري”.
وأضاف الشيف المغربي أنه عمل لاحقًا في السعودية، قبل أن يعود إلى المغرب ما بين سنتي 2021 و2022، حيث بدأ يركّز أكثر على المحتوى البصري المرتبط بفن الحلويات، مستلهمًا أعمال بعض الطهاة العالميين، خاصة شيفًا فرنسيًا اشتهر بصناعة مجسمات شوكولاتة معقدة. غير أن أفشكو شدد على أنه لم يسعَ إلى التقليد، بل إلى تطوير أسلوب خاص به، يعتمد على تقنياته الذاتية، مع إدماج عنصر أساسي يعتبره جوهريًا: الثقافة المغربية.
وأكد المتحدث أن “النوستالجيا” والحنين إلى الماضي عنصران قويان في التفاعل مع الجمهور، وهو ما راهن عليه منذ البداية، مستلهمًا أفكاره من الأسواق التقليدية والطبيعة، ومن مواد بسيطة مثل “الزردة” (الكركم)، التي اعتبرها من أكثر المواد إلهامًا بحكم تعدد استعمالاتها. غير أن هذا التوجه لم يكن محل إجماع، إذ واجه في بداياته موجة من التعليقات السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي، شكك بعضها في موهبته وفي أحقيته بلقب “شيف”، خاصة بسبب ارتباط اسمه بوالده المعروف في المجال.
ورغم الضغط النفسي الذي رافق تلك المرحلة، يقر أفشكو بأنه واصل الاشتغال بعناد، وطوّر مهاراته تدريجيًا، خصوصًا بعد أن أسس ورشته الخاصة سنة 2017. ولم يُخفِ أن الفشل في بعض الوصفات كان يترك أثرًا نفسيًا قويًا، يصل أحيانًا إلى حد الانهيار، لكنه يعتبر ذلك جزءًا طبيعيًا من مسار الإبداع.
وفي حديثه عن تقنيات العمل، أوضح الشيف المغربي أن صناعة مجسمات الشوكولاتة دون قوالب تُعد من أصعب المراحل، بدءًا من التخطيط، الذي قد يستغرق أيامًا، مرورًا بالبناء التدريجي، وصولًا إلى مرحلة التلميع والتشطيب. وأكد أن التحكم في تقنية “التمبيراج” (Tempering) يُعد شرطًا أساسيًا لنجاح العمل، لأن أي خلل فيها ينعكس مباشرة على صلابة القطعة وجودتها البصرية.
وأشار أفشكو إلى أن بعض المجسمات قد تتطلب ما بين خمسة أيام وأسبوع كامل من العمل المتواصل، خصوصًا إذا كانت تعتمد على كميات كبيرة من الشوكولاتة عالية الجودة. وكشف في هذا السياق أن بعض القطع قد تحتوي على ما يصل إلى 15 كيلوغرامًا من الشوكولاتة، بتكلفة خام تتراوح بين 3500 و4000 درهم، دون احتساب مجهود العمل، ما يجعل تسعير هذا النوع من الإبداعات تحديًا حقيقيًا في سوق لا يزال يقارنها بمنتجات الحلويات التقليدية.
وفي ما يخص رؤيته المستقبلية، عبّر الشيف المغربي عن رغبته في التعاون مع شركات وعلامات تجارية، من خلال توظيف مجسمات الشوكولاتة كوسيلة إبداعية للترويج والإشهار، معتبرًا أن هذا المجال يتيح إمكانيات كبيرة، خاصة في الفعاليات الكبرى، حيث يمكن للجمهور أن يتفاعل مع العمل الفني، لا فقط مع المنتج النهائي.
وختم أفشكو تصريحه بالتأكيد على أنه يشتغل دائمًا خارج منطق التقليد، ويؤمن بأن الإبداع الحقيقي يبدأ من الهوية المحلية، قبل الانفتاح على الثقافات العالمية، مشددًا على أن الطريق ليس سهلًا، وأن مقاومة الأفكار الجديدة تظل أمرًا طبيعيًا، لكنه يرى فيها جزءًا من ثمن أي تجربة إبداعية حقيقية.