في الوقت الذي يرسم فيه المغرب معالم مستقبل إفريقي مشترك من خلال “المبادرة الأطلسية” ومشاريع أنبوب الغاز الضخمة، مقدما نموذجا قاريا فريدا يمزج بين “الأخوة التاريخية” و”المصالح الاستراتيجية”، تواصل الجارة الشرقية تكريس صورة قاتمة في تعاملها مع المهاجرين الأفارقة، عبر سياسات الطرد الجماعي والممارسات الحاطة بالكرامة التي نددت بها منظمات حقوقية دولية.
منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، وعبر سياسة الهجرة الوطنية التي أطلقها الملك محمد السادس عام 2013، اختارت الرباط نهجاً إنسانياً براغماتياً. لم يعد المهاجر الإفريقي في المغرب مجرد “عابر سبيل” أو ملف أمني، بل أصبح جزءاً من نسيج المجتمع.
تتجلى هذه السياسة في تسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين، ومنحهم حقوق الولوج إلى الصحة والتعليم وسوق الشغل. لكن الأهم هو البعد الاستراتيجي؛ فالمغرب يتعامل مع دول الساحل وغرب إفريقيا بمنطق “رابح-رابح”، حيث تعد المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي دليلاً ساطعاً على أن المغرب يرى مصلحته في استقرار ورخاء جيرانه الأفارقة، وليس في استغلال مآسيهم.
في مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، يتجلى هذا الاندماج في أبهى صوره. المدينة التي تشهد نهضة عمرانية واقتصادية، أصبحت قبلة لليد العاملة الإفريقية التي تجد فيها الأمن والفرص.
التقينا بـ “أمادو” (34 سنة)، مهاجر سنغالي يشتغل في وؤشى لإصلاح الهواتف بمدينة العيون منذ سنوات، والذي لخص الفارق الشاسع بين النموذجين.
يقول أمادو: “عندما وصلت إلى العيون، كنت خائفاً في البداية، لكنني فوجئت بحجم الترحيب. هنا، لا أحد ينظر إليك كغريب أو كعبء. حصلت على بطاقة إقامة، وأشتغل بعقد قانوني، وأرسل المال لعائلتي في دكار. المغاربة هنا يعتبروننا إخوة في الدين والتراب، ونصلي في نفس المساجد ونشرب الشاي معاً”.
ويضيف أمادو بنبرة تغلب عليها المرارة وهو يتذكر معاناة أصدقائه: “لدي ابن عم عاش الجحيم في الجزائر قبل أن يتمكن من الفرار. حكى لي كيف كانت الشرطة تقتحم مساكنهم ليلاً، وتجردهم من هواتفهم وأموالهم، ثم تشحنهم في حافلات لرميهم في “النقطة الصفر” بصحراء النيجر دون ماء أو طعام. الفرق بين هنا وهناك، هو الفرق بين من يراك إنساناً وشريكاً، وبين من يراك مشكلة يجب التخلص منها”.
شهادة أمادو تتقاطع مع تقارير “هيومن رايتس ووتش” و”أطباء بلا حدود”، التي وثقت عمليات الطرد التعسفي التي تمارسها السلطات الجزائرية. فبينما يفتح المغرب جامعاته لأكثر من 14 ألف طالب إفريقي (معظمهم بمنح مغربية)، تنهج الجزائر سياسة أمنية متشددة، غالباً ما تكون مصحوبة بخطاب رسمي وشعبي يتسم بالعنصرية، حيث سبق لمسؤولين جزائريين وصف المهاجرين بأنهم “خطر على الأمن القومي”.
هذا التعامل الفظ لا يعكس فقط غياب البعد الإنساني، بل يكشف عن قصر نظر استراتيجي. فالجزائر، بسياساتها هذه، تخسر رصيدها الدبلوماسي والشعبي في القارة، في حين يراكم المغرب “قوة ناعمة” هائلة من خلال الدبلوماسية الروحية (مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة) والدبلوماسية الاقتصادية.
بين نموذج مغربي يرى في الإفريقي “شقيقاً وشريكاً” في التنمية، ونموذج جزائري يرى فيه “عبئاً أمنياً”، ترتسم معالم خريطتين متناقضتين: خريطة مغربية تمتد جسورها من طنجة إلى كيب تاون عبر التعاون والتكامل، وخريطة أخرى تعزل نفسها خلف جدران الخوف وكراهية الأجانب. وفي شوارع العيون، حيث يعمل أمادو بأمان، يكتب المغرب فصلاً جديداً من تاريخ الأخوة الإفريقية الحقيقية.