كيف أعاد “الحكم الذاتي” صياغة العلاقات الأوروبية-المغربية؟
تشهد أروقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تحولاً جذرياً وهادئاً في آن واحد تجاه نزاع الصحراء، حيث انتقلت العواصم الأوروبية الكبرى من “الحياد السلبي” إلى الدعم الصريح والواضح لمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007. هذا الزخم الدبلوماسي لم يعد مجرد حالات فردية، بل بات يشكل “تياراً أوروبياً جارفاً” يعيد صياغة العلاقات بين ضفتي المتوسط على أسس الواقعية السياسية.
كان الموقف الإسباني في مارس 2022 بمثابة الزلزال الدبلوماسي الذي فتح الباب على مصراعيه، حين اعتبرت مدريد المبادرة المغربية “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية”. لكن “الضربة القاضية” للجمود الدبلوماسي جاءت من باريس مؤخراً، حين أعلن الإليزيه اعتراف فرنسا الصريح بسيادة المغرب على صحرائه، واضعاً حداً لسنوات من التذبذب.
ولم تقف القائمة عند هذا الحد، فدول مثل ألمانيا، بلجيكا، هولندا، المجر، والجمهورية التشيكية، وصولاً إلى فنلندا التي أصبحت أول دولة شمالية تدعم المبادرة، كلها سارت في نفس الاتجاه. هذا “الإجماع الضمني” يعكس قناعة أوروبية بأن استقرار المنطقة يمر حتماً عبر حل واقعي تحت السيادة المغربية.
يرى مراقبون أن هذا التحول ليس “شيكاً على بياض”، بل هو نتيجة لثلاثة عوامل استراتيجية فرضت نفسها على صانع القرار الأوروبي:
الأمن والاستقرار الإقليمي: في ظل الاضطرابات التي تشهدها منطقة الساحل وجنوب الصحراء، يرى الاتحاد الأوروبي في المغرب “شريكاً موثوقاً” وحيداً قادراً على ضبط تدفقات الهجرة غير الشرعية ومحاربة الجماعات الإرهابية. إنهاء النزاع المفتعل يعني غلق ثغرة أمنية قد تستغلها أطراف معادية لأوروبا.
أمن الطاقة والاقتصاد الأخضر: يطمح الاتحاد الأوروبي لأن يصبح المغرب خزانًا للطاقة النظيفة (الهيدروجين الأخضر والألواح الشمسية). تنفيذ هذه المشاريع الضخمة يتطلب بيئة قانونية وسياسية مستقرة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يفسر رغبة الشركات الأوروبية في استيضاح المواقف السياسية لدولها.
فشل الأطروحات الانفصالية: بعد عقود من الجمود، أدركت العواصم الأوروبية أن خيار “الاستفتاء” بات متجاوزاً وغير قابل للتطبيق تقنياً وسياسياً، وأن الإصرار عليه يعني استمرار النزاع إلى ما لا نهاية، وهو ترف لم تعد أوروبا تملكه في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى (الحرب الأوكرانية، الصراع في الشرق الأوسط).
هذا التحول الأوروبي الجماعي لم يخرج عن إطار الأمم المتحدة، بل جاء ليدعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا. فالدول الأوروبية تؤكد في بياناتها أن الحكم الذاتي هو الحل الذي يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، مما يضيق الخناق على الأطروحات المتصلبة ويضع خصوم الوحدة الترابية للمغرب في عزلة ديبلوماسية خانقة.
إن اقتناع دول الاتحاد الأوروبي بالحكم الذاتي ليس مجرد “انتصار دبلماسي” للمغرب، بل هو إعلان عن نهاية حقبة قديمة من الضبابية. اليوم، ترسم أوروبا خارطة طريق جديدة لعلاقتها مع أفريقيا، تبدأ من الاعتراف بالواقع على الأرض، وبأن الصحراء هي المحرك الاقتصادي والجسر الرابط بين القارتين، تحت سيادة مغربية كاملة. اربد عناوين