قدم الدكتور عبد الله ساعف، الأستاذ الباحث والوزير السابق، قراءة تركيبية رصينة لمسار النقاش العمومي حول الإصلاحات السياسية في المغرب، معتبراً أن المملكة انتقلت من مرحلة التأسيس للمؤسسات المركزية في الخمسينيات، وصولاً إلى “الورشة الحيوية” الراهنة المتمثلة في الحكامة ومحاربة تضارب المصالح.
في رصده للمراحل الكبرى، أوضح ساعف أن النقاش في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات كان ينصبُّ حول “طبيعة الدولة” وخريطة المؤسسات المركزية، وهي المرحلة التي شهدت بزوغ مفاهيم سياسية لا تزال حاضرة في القاموس الحالي.
وانتقل ساعف لوصف مرحلة لاحقة تميزت بما أسماه “الثلاثية” التي وجهت العمل السياسي لسنوات، والمتمثلة في: مراجعة الدستور، نزاهة الانتخابات، وإطلاق سراح المعتقلين (حقوق الإنسان). مؤكداً أن هذا المثلث كان هو المحرك الأساسي للنقاش بين الدولة والكتلة الديمقراطية، بهدف الاقتراب من النموذج الديمقراطي المنشود.
وتوقف الأستاذ ساعف عند محطة فارقة مهدت لدستور 2011، وهي الخطاب الشهير للأستاذ الراحل عبد الرحمن اليوسفي في بروكسل (2003)، حيث أثار مسألة استقلالية قرار الوزير الأول وهامش تحركه، بالإضافة إلى ملف “الوظائف السامية” وكيفية التعيين في المسؤوليات العليا. واعتبر ساعف أن وثيقة 2011 جاءت لتجيب بشكل كبير على تلك المطالب، عبر تمييز ملامح الجهاز التنفيذي وتوسيع صلاحيات البرلمان وإعادة النظر في السلطة القضائية.
وبخصوص “الممكن” في أجندة الإصلاح اليوم، يرى عبد الله ساعف أن المعركة لم تعد تدور فقط حول “الخريطة العامة” لتوزيع السلط، بل انتقلت إلى عمق “الحكامة”.
وأشار ساعف إلى أن الباب الأخير من الدستور الحالي، المتعلق بالحكامة والنزاهة، رسم الخطوط العريضة بشكل عام، لكن “المهمة الأساسية في المرحلة المقبلة هي (نحت) هذه المضامين وتفصيلها”. وشدد على أن قضايا مثل النزاهة، محاربة الفساد، وضبط مسارات اتخاذ القرار، أصبحت هي “الورشة الحيوية” للجسم السياسي المغربي.
وفي نقد ذكي للواقع السياسي الحالي، سجل ساعف أن ملف “تضارب المصالح” ووضع منظومة دقيقة لحماية القرار العمومي من الانحراف، انتقل من كونه موضوعاً ثانوياً في النقاشات السابقة ليصبح “محوراً أساسياً” تفرضه الدروس المستفادة من الولاية الحكومية والبرلمانية الحالية.
وخلص عبد الله ساعف إلى أن الديمقراطيات المتقدمة تضع ضمانات مؤسساتية تحدُّ من مظاهر الفساد “قِبلياً” قبل تدخل القضاء أو الشرطة، وهو المسار الذي يجب أن يسلكه المغرب لضمان جودة سيره المؤسساتي، مؤكداً أن ضبط قواعد اتخاذ القرار هو الكفيل بحماية الممارسة السياسية من الانزلاقات المرتبطة بالمصالح الشخصية.