في حوار مطول مع موقع فبراير.كوم، قدّم الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي قراءة تحليلية للتحولات العميقة التي يعرفها النظام الاقتصادي الدولي، معتبرا أن العالم يعيش لحظة انتقالية حاسمة تُنذر بإعادة تشكيل ميزان القوى الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.
وأوضح أقصبي أن فهم ما يجري اليوم يقتضي العودة إلى البنية التي أرساها مؤتمر “بريتون وودز” سنة 1944، والتي قامت على ثلاث ركائز أساسية. أولها النظام النقدي الدولي الذي جعل من الدولار العملة المرجعية للتبادل العالمي، في ظل قابلية تحويله إلى ذهب بسعر ثابت.
https://youtu.be/gauuK1OzlbU?si=JO_F2ueMD40aPgaX
وثانيها مؤسسات الضبط المالي، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذان أوكلت إليهما مهمة تأمين الاستقرار وإعادة الإعمار والحفاظ على توازن ميزان الأداءات.
أما الركيزة الثالثة فتمثلت في الخريطة الجيوسياسية التي كرّست تفوق الدول المنتصرة في الحرب، خصوصا من خلال مجلس الأمن وحق النقض.
وأشار أقصبي إلى أن أول تصدع فعلي في هذا النظام وقع سنة 1971 حين أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، غير أن الهيمنة الأمريكية استمرت بفعل قوة الاقتصاد الأمريكي، وثقة الأسواق العالمية، إضافة إلى ما عُرف لاحقا بنظام “البترودولار”، الذي عزز موقع العملة الأمريكية رغم فقدانها غطاءها الذهبي.
وأكد أن هذا الامتياز منح الولايات المتحدة وضعا فريدا، باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على تمويل عجزها دون القيود التي تواجهها باقي الدول، وهو ما ساهم في بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية واللوجستية على مدى عقود.
غير أن هذا الوضع، بحسب أقصبي، بدأ يتآكل تدريجيا مع صعود اقتصادات ناشئة وأزمات مالية متلاحقة، خاصة أزمة 2008 التي شكّلت منعطفا بارزا. وفي هذا السياق، برز تكتل “بريكس” كإطار يجمع قوى صاعدة تمثل نسبة مهمة من سكان العالم ومن الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، وتسعى إلى إرساء قدر أكبر من التوازن والعدالة في النظام الاقتصادي الدولي.
واعتبر أن الحرب في أوكرانيا سرعت وتيرة التحولات، خصوصا بعد تجميد أصول روسية في البنوك الغربية وإقصاء موسكو من نظام “سويفت”، ما دفع عددا من الدول إلى البحث عن بدائل للدولار وأنظمة أداء موازية، إضافة إلى تنامي الاتفاقات الثنائية للتبادل بالعملات المحلية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، شدد أقصبي على أن العالم لم يعد يُختزل في ثنائية الشرق والغرب أو الشمال والجنوب، بل يتجه نحو تعددية قطبية ما تزال في طور التشكل، في ظل مخاض متواصل لم تتحدد ملامحه النهائية بعد.
وفي قراءته للسياسات الأمريكية الراهنة، خاصة في عهد دونالد ترامب، اعتبر أقصبي أن عودة النزعة الحمائية تمثل انقلابا على الخطاب الليبرالي الذي روّج لحرية التجارة باعتبارها السبيل الأوحد للتنمية. ولفت إلى أن هذا التحول يعكس، في العمق، اعترافا ضمنيا بتراجع القوة الاقتصادية الأمريكية، ومحاولة لإعادة تموقع في سياق دولي متغير.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة “اللايقين”، حيث باتت القرارات الكبرى، خاصة الصادرة عن واشنطن، قادرة على إحداث اضطرابات عميقة في التوازنات الدولية وسوق الشغل ومستويات الدخل في مختلف البلدان. وأكد أن المرحلة الانتقالية قد تطول، ما يجعل تداعياتها أكثر تعقيدا، في انتظار تبلور نظام عالمي جديد يعيد تعريف قواعد اللعبة الاقتصادية والجيوسياسية.