“التمثيل ليس مهنة مضمونة”.. بهذه العبارة واجهت عائلة الفنانة جميلة الهوني رغبتها في دخول عالم الفن، لتبدأ معها رحلة إثبات الذات بين رفض الوالدين، ودعم “الأخ المنقذ”، ولحظات الشك التي رافقتها بعد الأمومة.
وفي حديث اتسم بالصراحة والاعتزاز، كشفت الهوني عن تفاصيل إنسانية تربط ماضيها كابنة كافحت من أجل حلمها، وحاضرها كأم تحترم اختيارات ابنها.
تسترجع جميلة الهوني شريط ذكرياتها بكثير من التأثر، واصفةً كيف كان والداها يرفضان قطعيًا فكرة احترافها التمثيل، خوفًا عليها من مستقبل غير مستقر ماديًا. “كنت أبكي لثلاثة أيام متواصلة، والجميع يرفض”، تحكي الهوني، مشيرة إلى أن والدها الراحل وإخوتها كانوا يفضلون لها وظيفة مستقرة، خاصة وأنها كانت بطلة رياضية في مسارها الدراسي وتملك فرصة لتصبح أستاذة تربية بدنية.
وفي لحظة درامية، كان شقيقها هو “طوق النجاة”؛ ففي الساعة الثالثة صباحًا من ليلة آخر أجل لوضع ملفها بمعهد “ليزاداك” (ISADAC)، قرر دعمها ومنحها المال وسيلة السفر، لتكون آخر من يضع ملف الترشيح في تلك السنة، وهي الخطوة التي غيرت مجرى حياتها تمامًا.
لم يكن إقناع والدها، الذي وصفته برجل الدين “المحافظ والوقور”، بالأمر الهين. لكن الإصرار والنجاح المتتالي في مراحل المباراة جعل الوالد يرضخ للأمر الواقع بكلمة “الله يوفقك”، مع تمنياته بأن تقدم “مسرحًا إسلاميًا” هادفًا.
ومع مرور الوقت، استطاعت الهوني أن تغير نظرة والدها للمسرح، من خلال اطلاعه على نصوص مسرحية تتناول “سنوات الرصاص” وقضايا النضال. تذكر الهوني بابتسامة ممزوجة بالحنين كيف أصبح والدها يفتخر بها في المسجد وبين أصدقائه، وكيف كان يسعد بلقب “أبا أحمد” الذي ينادونه به نسبة إلى نجاحها وشهرتها، مؤكدة أن فخر الوالدين هو أعظم مكافأة حصدتها.
رغم النجاح، اعترفت الهوني بلحظة ضعف إنسانية قوية داهمتها عام 2010 عقب ولادة ابنها. “لأول مرة سألت نفسي: هل اتخذت القرار الصحيح؟”، هكذا وصفت خوفها من عدم قدرة مهنة التمثيل على توفير الأمان المادي لمستقبل طفلها. لكن إيمانها العميق بفلسفة “الرزق” وبالفرص التي تفتحها الأقدار في المغرب، جعلها تتجاوز تلك الهواجس وتستمر في عطائها.
في حديثها عن علاقتها بابنها، تظهر جميلة الهوني “الأم الديمقراطية” التي ترفض تكرار تجربة الضغط التي عاشتها. ورغم محاولاتها تحبيبه في الفن، إلا أن ابنها اختار مسارًا مغايرًا بعيدًا عن التمثيل، مائلًا إلى الرياضة.
وتقول الهوني: “ابني يرى أنني ممثلة جيدة، لكنه لا يملك شغف الانتماء لهذا المجال، وأنا أحترم قراره تمامًا. من الضروري أن يتحمل الأبناء مسؤولية قراراتهم، ودوري كأم هو منحه الحرية مع مراقبته من بعيد”.
ختمت الهوني حديثها بنبرة تفاؤلية، مؤكدة على تماسك المجتمع المغربي وقدرة الفرد على إيجاد مخارج للأزمات، معتبرة أن “النية الطيبة” والإيمان بأن “بابًا يغلق ليفتح غيره عشرة” هي المحرك الأساسي لاستمرارها في مهنة المتاعب والشهرة.