قدم المفكر والباحث أحمد عصيد عرضاً فكرياً استثنائياً، نبش من خلاله في جذور “تمغربيت”، معتبراً أن المغرب عاش مرحلة “اغتراب عن الذات” منذ الاستقلال إلى غاية نهاية التسعينيات، بسبب اختيارات سياسية وأيديولوجية جانبت الصواب الجغرافي والتاريخي للمملكة.
“الفقيه والشاعر”: لماذا غاب الإبداع عن نصوص الفقهاء؟
استهل عصيد حديثه بالتمييز بين الروح المتحررة والروح المقيدة، مؤكداً أن ضعف الشعر العربي لدى المغاربة قديماً سببه أن معظم من تعاطوا معه كانوا من “الفقهاء”. وحسب عصيد، فإن “الفقيه لا يمكن أن يكون شاعراً حقيقياً؛ لأن الإبداع يتطلب حرية وانعتاقاً من القيود، بينما الفقيه أسير منظومة ثابتة”.
وضرب عصيد مثالاً بالعلامة المختار السوسي، الذي رغم كونه أديباً كبيراً، إلا أنه فضل تدوين قصائد عربية ركيكة لفقهاء على حساب درر شعرية أمازيغية شفهية لـ “جمع بن غيل”، مبرراً ذلك بذهنية قديمة كانت تعتقد أن “العربية للتدوين والأمازيغية للشفاهة فقط”، وهو ما اعتبره ضياعاً لروائع أصيلة.
“تمغربيت”: صيغة أمازيغية وهوية جغرافية
وفي تحليله لمصطلح “تمغربيت”، أوضح عصيد أن الصيغة اللغوية للكلمة (تبدأ بـ “ت” وتنتهي بـ “ت”) هي صيغة أمازيغية صرفة تدل على الحرفة والصفة (مثل: تنجارت، تملعيت).
واعتبر أن أول محدد للهوية هو “الجغرافيا”، وهو المحدد الذي تم نسيانه منذ الاستقلال.
وانتقد عصيد بناء هوية المغرب منذ 1930 على مرتكزين أجنبيين: “القومية العربية” و”نموذج الدولة الوطنية الفرنسي”، معتبراً أن ذلك خلق نوعاً من “الماليز” (عدم الارتياح الاجتماعي)، حيث تساءل المغاربة مع “ناس الغيوان”: واش حنا هما حنا؟، في إشارة إلى الفجوة التي كانت قائمة بين الدولة والمجتمع.
صناعة “الأمية الفنية” والوصاية الأخلاقية
عرج عصيد على قطاع التعليم، معتبراً أن إلغاء الموسيقى والمسرح والرسم من المدارس كان “خطأً تاريخياً” ارتكبته النخبة التقليدية التي اعتبرت الفن “لهواً وعبثاً”. والنتيجة، حسب قوله، هي صناعة “مجتمع أمي في الفنون” يخلط اليوم بين القيم الجمالية والقيم الأخلاقية.
ودافع عصيد عن حرية الإبداع، مؤكداً أنه “لا يجوز محاكمة فيلم سينمائي بمعايير أخلاقية، بل بمعايير جمالية”، منتقداً الوصاية التي يمارسها البعض على أذواق المغاربة من خلال التركيز على لقطات عابرة وتجاهل القيمة الفنية للعمل.
دستور 2011: أخطاء التحرير و”لخبطة” اللحظات الأخيرة
وفي قراءة سياسية للدستور، كشف عصيد أن النسخة الأصلية التي صاغتها لجنة المنوني كانت “راقية ودقيقة”، لكن تدخلات حدثت في الـ 15 يوماً الأخيرة قبل الاستفتاء أدت إلى “خربقة” الصياغة، ونتج عنها عدم تمييز بين “المكون” و”الرافد”.
وأوضح عصيد: “لا يمكن اعتبار إفريقيا مجرد رافد، بل هي مكون جوهري. نحن أفارقة نضع أرجلنا على قارة اسمها إفريقيا، ولا وجود لنا خارجها”. واعتبر أن نجاح المغرب في تنظيم “الكان” وتصدره المشهد القاري ليس مجرد ريادة كروية، بل هو احتفالية بالانتماء واستعادة للدور الاستراتيجي للمملكة في عمقها الإفريقي.
نحو “تمغربيت” مستقبلية
خلص أحمد عصيد إلى أن التحدي الحقيقي اليوم هو “تحدٍ معرفي”، داعياً إلى الاعتماد على اللسانيات والأنثروبولوجيا والتاريخ لتصحيح المسار. وأكد أن بناء مغرب المستقبل يتطلب التصالح مع الذات بكل مكوناتها، وجعل الهوية محركاً للتنمية، بعيداً عن الاختزال والأيديولوجيات الضيقة التي غيبت لسنوات “الإنسان المغربي الحقيقي”.