يخيم شبح “أزمة طاقة عالمية” على الأسواق الدولية مع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما وضع أمن الإمدادات في عين العاصفة.
ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الأبهر لتجارة النفط، أطلق خبراء وكبار المتداولين صافرات الإنذار من أن أسعار الخام قد تتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل في غضون أيام، وسط مخاوف من تحول الاضطراب المؤقت إلى “صدمة إمدادات” طويلة الأمد.
وقفزت أسعار النفط بشكل حاد في التداولات الأخيرة، حيث سجلت عقود الخام الأمريكي الآجلة نحو 90 دولاراً للبرميل، بينما لامس خام برنت مستوى 95 دولاراً، وهو السعر الأعلى منذ قرابة عامين.
ويرى مراقبون أن هذا الارتفاع ليس سوى “قمة جبل الجليد”، إذ بدأت الأسواق تسعر احتمالات غياب طويل للنفط الخليجي عن الأسواق العالمية.
وتتركز المخاوف الرئيسية في “مضيق هرمز”، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً (خمس الاستهلاك العالمي).
وتشير التقديرات المالية إلى أن السوق فقدت بالفعل ما بين 7 إلى 11 مليون برميل يومياً نتيجة تعثر الشحن.
هذا الانقطاع الضخم دفع المحللين للتحذير من معضلة “تكدس المخزونات” لدى الدول المنتجة؛ فعدم القدرة على التصدير قد يجبر هذه الدول على خفض إنتاجها قسرياً لعدم توفر سعات تخزينية إضافية، مما يحول الأزمة من مشكلة نقل وملاحة إلى نقص فعلي في الإنتاج العالمي.
سياسياً، صبّت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الزيت على نار القلق الاقتصادي، بإعلانه الصريح أن واشنطن لن تدخل في مفاوضات لإنهاء الصراع، مؤكداً أن الخيار الوحيد المطروح هو “الاستسلام غير المشروط” من جانب طهران.
هذه النبرة التصعيدية أغلقت الباب أمام أي حلول دبلوماسية قريبة، مما دفع المستثمرين إلى الهروب نحو العقود الآجلة للنفط كتحوط من تفاقم الصراع.
وفي مؤشر على خطورة الموقف، جاء التحذير الأكثر رعباً للأسواق من الدوحة؛ حيث صرح وزير الطاقة القطري سعد الكعبي بأن استمرار التصعيد قد يدفع دول الخليج كافة لوقف صادراتها خلال أسابيع، متوقعاً وصول الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل.
ولم تكن هذه التصريحات مجرد تحذير شفهي، فقد أوقفت قطر بالفعل إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال مطلع هذا الأسبوع، وهو ما يمثل ضربة موجعة للسوق العالمي كونها تساهم بنحو 20% من الإمدادات العالمية لهذا الوقود الحيوي.
تحاول الإدارة الأمريكية طمأنة الأسواق عبر دراسة إجراءات استثنائية، تشمل توفير مرافقة عسكرية لناقلات النفط وتقديم ضمانات تأمين للسفن التجارية. كما تدرس واشنطن تسريع التنقيب المحلي وزيادة الإنتاج لتعويض النقص. إلا أن خبراء الطاقة يؤكدون أن خطوط الأنابيب البديلة والموانئ الأخرى لا يمكنها استيعاب سوى جزء يسير من التدفقات التي كانت تمر عبر هرمز، مما يجعل هذه الحلول “مسكنات” لا تنهي أصل الأزمة.
لم تتوقف الأزمة عند حدود النفط الخام، بل امتدت لتضرب قطاع الوقود المكرر؛ حيث سجلت أسعار الديزل ووقود الطائرات ارتفاعات قياسية. وانعكس ذلك سريعاً على حركة الملاحة الجوية، حيث ألغت شركات طيران عالمية آلاف الرحلات المتجهة إلى الشرق الأوسط أو العابرة لمجاله الجوي بسبب المخاطر الأمنية.
تقف الاقتصاديات العالمية اليوم أمام اختبار عسير؛ فوصول النفط إلى مستوى 100 دولار أو ما يتجاوزه سيؤدي حتماً إلى موجة تضخمية عالمية ترهق كاهل المستهلكين وتجبر البنوك المركزية على اتخاذ إجراءات نقدية قاسية.
ومع إصرار الأطراف السياسية على التصعيد، يبقى السؤال الأهم: هل يتحمل العالم صدمة نفطية تعيد للأذهان أزمات السبعينيات؟.