اعتبر العلمي الحروني، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، أن الحرب الدائرة في قلب أوروبا منذ أربع سنوات ليست مجرد نزاع إقليمي، بل هي “محور الصراع العالمي المعاصر”، واصفاً إياها بحرب “عالمية” من حيث الأبعاد والنتائج، تضاهي في تأثيرها الحربين العالميتين الأولى والثانية. وأوضح الحروني، في تحليل لمستجدات الوضع الدولي، أن هذه المواجهة تحولت إلى “حرب وجودية” متقاطعة المصالح بين روسيا والصين والولايات المتحدة.
في قراءته للموقف الروسي، أكد الحروني أن موسكو تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها معركة بقاء. وأرجع ذلك إلى ما وصفه بـ”عدم التزام حلف الناتو” بالتعهدات والاتفاقيات المبرمة منذ عهد يلتسين وغورباتشوف، وصولاً إلى اتفاقيات “مينسك” الأولى والثانية. وشدد على أن إصرار الناتو على التوسع داخل “المجال الحيوي” لروسيا هو ما دفع الأخيرة لاعتبار المواجهة دفاعاً عن وجودها كقوة عظمى.
وبالانتقال إلى الموقف الصيني، كشف القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد عن عمق الارتباط بين مصير روسيا وأمن الصين. وأوضح الحروني أن “هزيمة روسيا تعني انكشاف ظهر التنين الصيني”، مشيراً إلى الحدود البرية الهائلة التي تجمع البلدين (حوالي 6400 كلم).
ويرى الحروني أن الصين تدرك جيداً أن سقوط روسيا سيجعل الولايات المتحدة تتفرغ لمحاصرتها برياً وبحرياً؛ فإذا كانت المواجهة في بحر الصين “سهلة” لوجستياً بالنسبة لأمريكا، فإن تحييد روسيا سيفتح للأخيرة أبواب الهجوم من الجبهة البرية الواسعة، مما يجعل دعم بكين لموسكو قراراً وجودياً بامتياز.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد حلل الحروني موقفها من زاوية الرغبة في الحفاظ على الهيمنة الأحادية التي بسطتها منذ سقوط جدار برلين قبل نحو 30 عاماً. واستحضر الحروني مفهوم “مصيدة توسيديدس” (Thucydides Trap)، وهي الحالة التي يشعر فيها القوي المهيمن بالخطر من صعود قوة جديدة تسعى لثقب “سقف القوة” للوصول إلى القمة.
واعتبر الحروني أن أمريكا تعيش اليوم “عقدة” الحفاظ على القيادة العالمية في مواجهة صعود الصين الطامحة للريادة، وهو ما يجعل واشنطن تدفع بكل ثقلها في الحرب الأوكرانية لإضعاف الخصم الروسي كخطوة استباقية لعرقلة الصعود الصيني.
واختتم العلمي الحروني تحليله بالتأكيد على أن هذه الحرب التي دخلت عامها الرابع لا تزال “حبلى بالمفاجآت”، مؤكداً أن قلب أوروبا كان دائماً منطلقاً للحروب العالمية الكبرى، وأن موازين القوى الدولية يُعاد صياغتها اليوم فوق الأراضي الأوكرانية، في صراع لن ينتهي إلا بتحديد من سيقود العالم في العقود القادمة.
ومن جهته اعتبر الدكتور علي أوشقير، أستاذ التعليم العالي، أن المواجهة العسكرية الدائرة حالياً ليست سوى امتداد حي للحرب الباردة التي توهم الكثيرون أنها انتهت بسقوط جدار برلين، مؤكداً أنها صراع جيواستراتيجي معقد يهدف بالأساس إلى محاصرة روسيا وتقليص نفوذها العالمي. وأوضح أوشقير، في تحليل لأبعاد النزاع، أن التداعيات تتجاوز ساحات القتال لتضرب بعمق اقتصاديات الدول النامية، وفي مقدمتها القارة الإفريقية.
في قراءته لجذور الصراع، أكد الدكتور أوشقير أن الحرب الباردة لم تنتهِ أبداً إلى الأبد كما رُوّج لذلك، بل ظلت مستمرة في الظل لتنفجر اليوم في شكل مواجهة متشابكة الأسباب. وشدد على أن أبعاد الصراع تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية مع الطموحات الجيوستراتيجية، مما يجعلها حرباً استثنائية بكل المقاييس في التاريخ المعاصر.
ويرى الأستاذ أوشقير أن الهدف الحقيقي من هذا التصعيد، الذي يقوده حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية، هو “محاصرة روسيا بكل موضوعية”. وأشار إلى أن واشنطن، لاسيما في عهد الرئيس بايدن، وضعت ضمن أولوياتها الاستراتيجية تحجيم الدور الروسي ومحاربة نفوذه الصاعد، باعتبار موسكو منافساً قوياً يسعى لكسر الأحادية القطبية وإعادة تشكيل توازن القوى الدولي.
وحذر الدكتور علي أوشقير من أن تكلفة هذا الصراع بين الأقطاب الكبرى تدفعها الشعوب البعيدة عن جبهات القتال، واصفاً التداعيات بـ”الكارثية” على الدول النامية. وخص بالذكر القارة الإفريقية التي تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة، حيث تأثرت بشكل مباشر من الاضطرابات الاقتصادية واللوجستية الناجمة عن الحرب، مما يهدد استقرارها التنموي والأمن الغذائي لشعوبها.
واختتم أوشقير تحليله بالتأكيد على أن العالم أمام مرحلة مفصلية، حيث تُستخدم الأدوات العسكرية والدبلوماسية لإعادة ترتيب خارطة النفوذ، مشدداً على أن استمرار نهج “المحاصرة” سيؤدي إلى مزيد من التشظي في النظام الدولي، مع ما يترتب على ذلك من فواتير باهظة ستتحملها الدول الأقل صموداً أمام الهزات العالمية.