لماذا فشلت الضغوط في زحزحة الموقف الإسباني من مغربية الصحراء؟

بعد مرور أربع سنوات على الرسالة التاريخية التي وجهها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس، والتي اعتبر فيها مبادرة الحكم الذاتي “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية نزاع الصحراء، يبدو أن الموقف الإسباني قد تجاوز مرحلة “القرار السياسي” ليتحول إلى “عقيدة إستراتيجية” ثابتة للدولة، صمدت أمام أعنف العواصف الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية.

يرى مراقبون للشأن الدولي أن استقرار موقف مدريد، رغم الضغوط الداخلية من جهات سياسية تتبنى الأطروحات الانفصالية، يعكس نضج “العقل الإستراتيجي الإسباني”. فقد نجحت الحكومة الإسبانية في تحييد المصالح الوطنية العليا عن التجاذبات السياسية العابرة، مؤكدة أن الشراكة مع الرباط ليست مجرد خيار ظرفي، بل هي ضرورة أمنية واقتصادية وجيوسياسية لا تقبل المساومة. هذا الثبات عزز بشكل ملحوظ مصداقية الطرح المغربي دولياً، وأحبط المحاولات المتكررة لعرقلة الحل السياسي.

في سياق متصل، تشير قراءات سياسية إلى أن الموقف الإسباني من قضية الصحراء، صمد أمام اختبار عسير فرضته الجزائر، التي حاولت عبر “دبلوماسية الضغط” إسقاط الموقف الجديد لمدريد. وشملت هذه الضغوط وقف المعاملات التجارية، وتجميد أنشطة اقتصادية، وحتى دعم وتحريض تنظيمات حزبية “مجهرية” داخل إسبانيا للتشويش على قرار الحكومة.

إلا أن النتيجة كانت عكسية؛ فبعد فشل كل هذه المحاولات، اضطرت الجزائر لإعادة تعيين سفير لها في مدريد دون أن يتغير الموقف الإسباني قيد أنملة. هذا الفشل في ممارسة “الابتزاز الاقتصادي” أثبت قدرة الدولة الإسبانية على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية في سياق دولي معقد، وكشف زيف الادعاءات التي حاولت الترويج لتراجع إسبانيا عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي.

على الصعيد القاري، أظهر المشهد الأوروبي تحولاً في الوعي تجاه منطقة شمال إفريقيا. وتذهب التحليلات إلى أن دول الاتحاد الأوروبي بدأت تدرك بوضوح أن العلاقات مع بعض الأطراف الإقليمية تعاني من “انعدام الثقة واللااستقرار”، في حين يبرز المغرب كشريك إستراتيجي يتمتع بـ “موثوقية عالية”. هذا الإدراك هو ما عزز الموقف الإسباني وانسجم مع التوجهات الأمريكية والفرنسية، التي ترى في الرباط ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي على المديين المتوسط والطويل.

من منظور الباحثين في الشؤون السياسية، فإن ثبات مدريد ينطلق من قناعة أوروبية راسخة بأن استقرار شمال إفريقيا هو امتداد مباشر لاستقرار القارة العجوز. وبحكم أن إسبانيا كانت “القوة المستعمرة السابقة” للأقاليم الجنوبية، فإن صانع القرار في مدريد يمتلك المعطيات التاريخية التي تؤكد أن النزاع “مفتعل”، وهو ما يفسر تبنيها للحل العقلاني والواقعي المتمثل في الحكم الذاتي.

إن استمرار هذا الدعم الإسباني والدولي يعكس، في جوهره، جدية المملكة المغربية في طي هذا الملف بشكل نهائي، ومواصلة حشد التأييد لقضية عادلة. وبحسب القراءات الحالية، فإن كافة محاولات تأجيج التوتر عبر قنوات حزبية أو إعلامية داخل إسبانيا قد فقدت تأثيرها أمام واقعية الشراكة الإستراتيجية التي تربط ضفتي مضيق جبل طارق.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store