أعاد التعثر المستمر في برنامج الغواصات الروسية من فئة “أمور” (Amur) رسم ملامح المنافسة الدولية في سوق التسلح البحري. فبعد سنوات من الترويج لها كجيل ثوري يتجاوز قدرات غواصات “كيلو” الشهيرة، دفعت الإخفاقات التقنية المتلاحقة وتأخر جداول الإنجاز عدداً من الدول الكبرى والناشئة إلى إعادة تقييم خططها الاستراتيجية، والتوجه نحو موردين يوفرون أنظمة أكثر جاهزية وموثوقية.
“أمور”: الوعود التي لم تكتمل
كشف تقرير متخصص في الشؤون الدفاعية أن الغواصة “أمور”، التي صُممت لتكون النسخة التصديرية المتطورة من الغواصة الروسية “لادا”، لم تنجح حتى الآن في تأمين أي طلب تصدير خارجي. ورغم الوعود الروسية الكبيرة بشأن قدرات التخفي الفائقة (Stealth) والتسليح الهجومي المتطور، إلا أن المشروع لا يزال يراوح مكانه تحت وطأة تحديات تقنية معقدة.
وتشير المصادر الدفاعية إلى أن “أمور” ورثت مشاكل بنيوية من نموذجها الأم “لادا”، خاصة في أنظمة إدارة القتال المدمجة والتكامل مع أنظمة السونار الحديثة. هذه الاختلالات لم تؤثر فقط على الأداء العملياتي، بل أدت إلى زعزعة ثقة الزبائن المحتملين الذين يبحثون عن حلول “تسليم مفتاح” في بيئة بحرية تزداد توتراً.
الهند.. “الطلاق” التسلحي والارتماء في حضن “سكوربين”
تعتبر الحالة الهندية المثال الأبرز على تراجع الجاذبية الروسية في هذا القطاع. فبعد أن كانت نيودلهي من أبرز المهتمين بالنسخة “أمور-1650” لتحديث أسطولها البحري المتقادم، حسمت الحكومة الهندية خيارها في نهاية المطاف لصالح الغواصات الفرنسية من فئة “سكوربين” (Scorpène).
ويعزى هذا التحول الجذري إلى المخاوف الهندية الجدية من استمرار تأخر المشروع الروسي إلى ما بعد عام 2030، وهو ما لا يتناسب مع وتيرة التحديات الأمنية في المحيط الهندي، فضلاً عن السجل الصناعي الفرنسي الأكثر استقراراً في الالتزام بمواعيد التسليم والدعم التقني.
المغرب.. حذر استراتيجي وبحث عن الموثوقية الأوروبية
على الصعيد الإقليمي، لم يكن المغرب بعيداً عن هذه الحسابات. فقد دخلت الرباط في وقت سابق في مشاورات أولية مع الجانب الروسي لاستكشاف إمكانية اقتناء غواصات من فئة “أمور”، في إطار سعي المملكة لتعزيز قدراتها في الردع البحري.
إلا أن الصفقة، وبحسب تقارير متطابقة، لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وساد حالة من الحذر لدى صانع القرار العسكري المغربي بسبب غياب نموذج مكتمل ومجرب وجاهز للتسليم الفوري. هذا التردد عززه وجود عروض منافسة قوية من شركات أوروبية (ألمانية وفرنسية وإسبانية) تتمتع بسجل حافل بالنجاحات الصناعية، مما جعل الخيار الروسي يتراجع في قائمة الأولويات المغربية لصالح ضمان استدامة وفعالية الأسطول المستقبلي.
آفاق سوق التسلح البحري
يؤكد خبراء عسكريون أن إخفاق مشروع “أمور” يمثل ضربة قوية لمكانة روسيا كأحد أكبر صدري الأسلحة البحرية في العالم. ومع تزايد الفجوة التكنولوجية واستمرار المشاكل التقنية، يبدو أن السوق العالمية بدأت تتجه أكثر فأكثر نحو الغواصات الأوروبية والآسيوية التي أثبتت كفاءتها الميدانية، مما يضع موسكو أمام حتمية مراجعة شاملة لصناعاتها الدفاعية إذا ما أرادت العودة للمنافسة في أعماق البحار.