تشهد منطقة الخليج تطورات متسارعة في سياق الحرب الدائرة ضد إيران، مع مؤشرات متزايدة على انخراط تدريجي لحلفاء الولايات المتحدة، في مقدمتهم السعودية والإمارات، ضمن معادلة عسكرية وأمنية دقيقة توازن بين الردع وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وكشفت تقارير إعلامية دولية أن السعودية وافقت مؤخراً على السماح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة الملك فهد الجوية، في خطوة تعكس تحولاً في موقفها الذي كان يميل إلى النأي بالنفس عن الصراع، قبل أن تدفع الهجمات الإيرانية المتكررة على منشآت الطاقة والمدن الحيوية المملكة إلى إعادة حساباتها.
ويأتي هذا التحول في سياق تصاعد الضغوط الأمنية، حيث تعرضت منشآت حيوية في السعودية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما دفع القيادة السعودية إلى التشدد في خطابها، إذ أكد وزير الخارجية أن صبر المملكة “ليس بلا حدود”، في إشارة إلى استعدادها للرد إذا استمرت التهديدات.
في المقابل، تدرس الإمارات بدورها خيارات أكثر حزماً، تشمل تشديد الإجراءات ضد الأصول المرتبطة بإيران، مع احتمال الانخراط في العمليات العسكرية، في وقت اتخذت فيه خطوات عملية تمثلت في إغلاق مؤسسات مرتبطة بطهران داخل أراضيها، في إطار تضييق الخناق على شبكات التمويل الإيرانية.
وتعكس هذه التحركات توجهاً خليجياً نحو إعادة ترسيخ الردع، دون الوصول إلى مستوى إعلان الانخراط العسكري المباشر، إذ لا تزال هذه الدول حريصة على تجنب التحول إلى أطراف مقاتلة بشكل صريح، رغم الضغوط المتزايدة والتهديدات الإيرانية المتصاعدة.
غير أن الواقع الميداني يشير إلى تداخل متزايد في الأدوار، حيث تفيد معطيات متقاطعة بإمكانية استخدام أراضٍ وقواعد في المنطقة لدعم العمليات العسكرية، في وقت تعرضت فيه منشآت وقواعد أمريكية في الخليج لهجمات إيرانية مباشرة، ما يرفع من منسوب التوتر ويعقد حسابات الحلفاء.
وتتجاوز أبعاد هذا التصعيد الجانب العسكري، إذ يشكل مضيق هرمز محوراً مركزياً في الصراع، مع تهديدات إيرانية بالتحكم في حركة الملاحة وفرض رسوم عبور، وهو ما يمثل تحدياً استراتيجياً لدول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على استقرار هذا الممر الحيوي لتصدير الطاقة.
وفي هذا السياق، تبدو دول الخليج أمام معادلة معقدة، تجمع بين ضرورة حماية أمنها القومي ومنشآتها الحيوية، وبين التخوف من تداعيات الانخراط المباشر في حرب قد تتسع رقعتها وتؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.
كما تعكس هذه التطورات حدود القدرة الخليجية على التأثير في القرار الأمريكي، رغم الشراكة الاستراتيجية، حيث تجد هذه الدول نفسها مضطرة للتكيف مع مسار تصعيدي لا تتحكم في إيقاعه بشكل كامل.
وفي المحصلة، يكشف التصعيد الجاري عن تحول نوعي في مواقف دول الخليج، التي انتقلت من الحذر الدبلوماسي إلى الانخراط غير المباشر في الصراع، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من تطورات قد تعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية.