عاد ملف الساعة الإضافية إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، مدفوعاً بزخم رقمي غير مسبوق، بعد أن تجاوز عدد الموقعين على عريضة إلكترونية تطالب بالعودة إلى التوقيت القانوني عتبة 200 ألف توقيع، في ظرف وجيز، ما يعكس اتساع دائرة الرفض المجتمعي لهذا الإجراء.
ويؤشر هذا التفاعل الرقمي المكثف على تحول لافت في أنماط التعبير العمومي، حيث لم تعد المطالب الاجتماعية تقتصر على الأشكال التقليدية، بل باتت المنصات الرقمية فضاءً مركزياً لتجميع الرأي العام وصياغة مطالب جماعية تضغط على صناع القرار.
وتستند العريضة، وفق مضامينها، إلى جملة من المبررات الصحية والاجتماعية، إذ يعتبر الموقعون أن اعتماد الساعة الإضافية يخلّ بالتوازن الطبيعي للساعة البيولوجية، ما ينعكس سلباً على جودة النوم والصحة النفسية والجسدية، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ، فضلاً عن تأثيراته على الأداء الدراسي والمهني.
كما يشير أصحاب المبادرة إلى انعكاسات أوسع تشمل الحياة الأسرية والتنظيم اليومي، إضافة إلى تداعيات مرتبطة بالتنقل والسلامة الطرقية، معتبرين أن الإيقاع الزمني المعتمد لا ينسجم مع الخصوصيات الاجتماعية للمغاربة.
في المقابل، يبرز الإطار القانوني للعريضة باعتباره محدداً أساسياً لمدى تأثيرها، حيث تندرج ضمن الآليات التشاركية التي يقرها الدستور، وتتيح للمواطنين تقديم ملتمسات إلى السلطات العمومية، سواء إلى رئيس الحكومة أو إلى المؤسسة التشريعية.
وفي هذا السياق، أكد المستشار القانوني أمين الفتحي أن “العريضة تمثل آلية دستورية مهمة للمشاركة المواطِنة، لكنها تظل في حدودها القانونية أداة اقتراح وضغط، وليست وسيلة ملزمة لاتخاذ القرار”، موضحاً أن “السلطة التقديرية تبقى بيد الحكومة، التي توازن بين مختلف الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية قبل الحسم”.
وأضاف الفتحي أن مسار العريضة يخضع لإجراءات مضبوطة، تبدأ بإيداعها لدى السلطات المحلية، ثم إحالتها على لجنة مختصة لدراستها، قبل رفع توصيات بشأنها، وهو ما يعكس طابعها المؤسساتي، رغم طابعها الشعبي.
من جهته، اعتبر الخبير في السياسات العمومية محمد الصباري، في تصريح لـ“فبراير”، أن “تجاوز 200 ألف توقيع ليس مجرد رقم، بل مؤشر على أزمة ثقة بين جزء من المجتمع والسياسات الزمنية المعتمدة”، مضيفاً أن “القضية لم تعد تقنية مرتبطة بالتوقيت، بل تحولت إلى نقاش مجتمعي حول جودة العيش وتوازن الزمن الاجتماعي”.
وأوضح الصباري أن “الرهان اليوم يكمن في قدرة الحكومة على التقاط هذه الإشارات وتحويلها إلى نقاش مؤسساتي مفتوح، يأخذ بعين الاعتبار المعطيات العلمية والصحية، وليس فقط الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالتزامن مع الشركاء الدوليين”.
ورغم هذا الزخم، يبقى القرار النهائي بيد السلطة التنفيذية، التي سبق أن بررت اعتماد الساعة الإضافية بضرورات اقتصادية، خاصة ما يتعلق بتقليص استهلاك الطاقة وتعزيز التزامن مع الأسواق الأوروبية.
غير أن تصاعد النقاش المجتمعي، مدعوماً بهذه التعبئة الرقمية الواسعة، يطرح من جديد سؤال التوازن بين الجدوى الاقتصادية والآثار الاجتماعية، في سياق يتزايد فيه الوعي بأهمية إدماج البعد الصحي والاجتماعي في صياغة السياسات العمومية.
وبين ضغط رقمي متنامٍ وإطار قانوني مؤطر، تظل العريضة الحالية اختباراً حقيقياً لمدى تفاعل المؤسسات مع أشكال التعبير الجديدة، وقدرتها على تحويل المطالب الرقمية إلى قرارات سياسية تعكس انتظارات المجتمع.