الرئيسية / أقلام الحقيقة / ظلُّ حبٍ لم يرحل

ظلُّ حبٍ لم يرحل

حسن بلعربي
أقلام الحقيقة
الحسن بلعربي 06 أبريل 2026 - 21:45
A+ / A-

كان المطار شبه خالٍ، صامتًا على غير عادته، كأنه استراح أخيرًا من ضجيج الوداع.

جلستُ أراقب المسافرين القلائل، حتى وقعت عيناي عليها.

كانت هناك… تقرأ في صحيفة.

لم أحتج إلى وقت طويل لأتأكد.
هي نفسها. بعد ثلاثين عامًا كاملة، عرفتها بسهولة لا تُصدّق.
ملامحها لم تتغير كثيرًا، فقط أضاف الزمن بعض الخيوط الرمادية إلى شعرها، أما عيناها الكبيرتان، فاحتفظتا بذلك البريق القديم… البريق الذي كنت أعرفه جيدًا.

جلستُ غير بعيد عنها، وبدأت ذاكرتي تنسحب من الحاضر بهدوء، لتغرق في الماضي…

أول لقاء لنا كان هنا، في هذا المطار بالذات.
كانت في العشرين، خائفة من الطيران، تجلس إلى يميني في الطائرة.
تحدثنا طويلاً، عن الخوف، عن السفر، عن أشياء صغيرة لا تُنسى.
وعندما بدأت الطائرة في الإقلاع، أمسكت بيدي بقوة… حتى خدشتها بأظافرها دون أن تشعر.

اعتذرت كثيرًا بعد ذلك، وكانت تضحك بخجل.
من هناك… بدأت الحكاية.

ثلاث سنوات من الحب، من الأحلام، من الوعود التي بدت حينها أكبر من الواقع.
ثم جاء ذلك اليوم…

قالت لي بصوت مرتبك:
“يجب أن أكون صادقة… أنا أريد حياة مستقرة. منزل، أمان، مستوى مريح. معك… لا أستطيع أن أضمن ذلك.”

اختارت غيري.
اختارت رجلًا عاد من كندا، يحمل شهادة ومستقبلًا واضحًا.

وتركتني أنا… في فراغ طويل.

لم تكن مجرد نهاية علاقة، بل بداية انهيار صامت.
أزمة نفسية امتدت شهورًا، وربما سنوات، دون أن ألاحظ.

عدتُ إلى الحاضر على صوت تقليبها للصحيفة.
رفعت رأسي… فالتقت أعيننا.

تجمد الزمن للحظة.

نظرت إليّ طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
“كنت أعلم أنك ستتعرف علي.”

اقتربت وجلست قبالتها.
لم أعرف كيف أبدأ، ولا ماذا أقول.
ثلاثون عامًا من الصمت، لا تختصرها جملة.

سألتها أخيرًا:
“هل كنتِ سعيدة؟”

صمتت قليلًا، ثم نظرت نحو المدرج حيث كانت طائرة تستعد للإقلاع، وقالت بهدوء:
“كان كل شيء مستقرًا… لكن السعادة؟ لا أدري إن كانت زارتني فعلًا.”

شعرت بشيء ثقيل يمر في داخلي… ليس ألمًا فقط، بل إدراك متأخر.

نظرت إلى يدي وقالت:
“ما زال أثر الخدش؟”

ابتسمت، وقلت:
“اختفى من الجلد… لكنه بقي هنا.”
وأشرت إلى صدري.

أُعلن عن رحلتها.

وقفت، ترددت لحظة، ثم قالت:
“بعض الاختيارات… ندفع ثمنها متأخرين.”

لم أطلب منها أن تبقى.
ولم تطلب هي أن أرافقها.

فقط تبادلنا نظرة أخيرة…
نظرة كانت أثقل من ثلاثين عامًا.

ثم رحلت.

كما رحلت أول مرة…
لكن هذه المرة، دون أن تترك خلفها أملًا بالعودة.

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة