الانفراج السياسي قبل انتخابات 2026: ضرورة دستورية ووطنية لاستعادة الثقة في البيئة الحقوقية
قراءة في متطلبات بناء مناخ حقوقي وسياسي يواكب الاستحقاقات الانتخابية ويعزز دولة الحقوق والمؤسسات.
I. الانتخابات لا تُبنى بالصناديق وحدها… بل بالثقة أيضاً
ليست الانتخابات مجرد موعد دستوري لتجديد المؤسسات المنتخبة، بل هي قبل كل شيء اختبار لمدى الثقة التي تجمع الدولة بالمجتمع، ولمدى قدرة المؤسسات على إنتاج مناخ سياسي وحقوقي يسمح للمواطنين بالمشاركة بحرية واطمئنان. ويدخل المغرب اليوم مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026. وكان المنتظر، من منظور العديد من الفاعلين والباحثين، أن تشكل هذه المرحلة فرصة لإطلاق دينامية جديدة قوامها الانفراج السياسي، وتهدئة المناخ الحقوقي، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. غير أن الواقع الحالي يبعث على القلق، إذ تتعدد الملفات الحقوقية المثيرة للنقاش، وتتزايد مظاهر الاحتقان في عدد من القطاعات، بما يجعل البيئة الحقوقية أقل هدوءاً مما كانت عليه خلال مراحل سابقة من العهد الحالي
II. مفارقة المرحلة: بين حصيلة إصلاحية معتبرة ومناخ حقوقي يثير القلق
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، وتحديداً منذ بداية الألفية الثالثة، راكم المغرب إصلاحات مؤسساتية وحقوقية مهمة لا يمكن إنكار أهميتها، من بينها: هيئة الإنصاف والمصالحة. إصلاح مدونة الأسرة. دستور 2011. تعزيز دور المجلس الوطني لحقوق الإنسان. التفاعل مع عدد من آليات الأمم المتحدة. إصلاحات تشريعية ومؤسساتية متعددة. وقد جعلت هذه الدينامية المملكة تحظى بتقدير دولي باعتبارها نموذجاً للإصلاح التدريجي والاستقرار.
لكن في المقابل، تشهد السنوات الأخيرة عدداً من الملفات التي خلقت نقاشاً وطنياً واسعاً حول:
§ حرية التعبير
§ متابعة بعض الصحفيين والمدونين.
§ قضايا عدد من نشطاء الحركات الاحتجاجية
§ التوترات بين بعض المهن والسلطات العمومية
§ اتساع الإحساس بضعف الحوار المؤسساتي
لا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام قيمة، بقدر ما يتعلق بتسجيل واقع أصبح موضوع نقاش واسع داخل الأوساط الحقوقية والأكاديمية والسياسية، وهو نقاش مشروع في دولة اختارت، دستورياً، أن تجعل من حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً أحد ثوابتها الأساسية
III. الانفراج السياسي… استحقاق دستوري والتزام دولي
إن دستور 2011 لم يكتف بإقرار منظومة واسعة من الحقوق والحريات، بل ألزم السلطات العمومية بحمايتها والنهوض بها، كما أكد التزام المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دولياً، وبسمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة. ويأتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه المغرب، ليؤكد بدوره حماية حرية الرأي والتعبير، وضمان الحق في المحاكمة العادلة، والحق في المشاركة في إدارة الشأن العام، وهي المبادئ التي أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مراراً أن احترامها يشكل شرطاً أساسياً لقيام انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية. ومن هذا المنظور، فإن جودة الانتخابات لا تقاس فقط بسلامة الاقتراع أو نزاهة العمليات التقنية، وإنما أيضاً بالمناخ السياسي والحقوقي الذي تجرى فيه. فالثقة في المؤسسات تُبنى قبل يوم التصويت، من خلال ضمان الحريات، وتعزيز الحوار، وتقوية استقلال المؤسسات، وتوسيع فضاء المشاركة المدنية والسياسية
IV. أين صوت المؤسسات الدستورية في لحظة الاحتقان؟ ان المؤسسات الوطنية أمام اختبار الثقة
من بين الأسئلة التي يطرحها العديد من المتابعين: ما هو الدور الذي يمكن أن يضطلع به المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مثل هذه اللحظات؟
فالقانون المنظم للمجلس يمنحه صلاحيات واسعة، من بينها:
§ تقديم الآراء الاستشارية
§ إصدار التوصيات
§ المبادرة التلقائية بشأن قضايا حقوق الإنسان.
§ الوساطة وإعداد التقارير
ولذلك يتساءل كثيرون عن أسباب محدودية حضوره في بعض الملفات الوطنية الكبرى، ومنها الخلاف الذي عرفه مشروع قانون المهنة بين وزير العدل وهيئات المحامين، وهو نقاش كانت له أبعاد واضحة تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال المهنة. ولا يتعلق الأمر بتوجيه الاتهام للمجلس، وإنما بطرح سؤال مشروع حول كيفية تفعيل اختصاصاته في اللحظات التي تحتاج فيها البلاد إلى مؤسسات وسيطة قوية. ذلك أن المراحل التي تعرف احتقاناً مجتمعياً أو جدلاً قانونياً حول الحقوق والحريات تستدعي حضوراً مؤسساتياً قوياً يسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز الثقة في المؤسسات. ولا يقتصر الأمر على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بل يشمل مجمل المؤسسات الوطنية التي أناط بها الدستور مهمة حماية الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون
V. لماذا أصبح الانفراج شرطاً لنجاح انتخابات 2026؟
إن أي ديمقراطية تحتاج، قبل المواعيد الانتخابية الكبرى، إلى مناخ يقوم على: الثقة؛ الحوار؛ احترام التعددية؛ تخفيف الاحتقان؛ تقوية المؤسسات.
فالانتخابات لا تقاس فقط بجودة تنظيمها، وإنما أيضاً بالمناخ السياسي والحقوقي الذي تجرى فيه. وتؤكد التجارب المقارنة، كما تبيّن تقارير الأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، أن الدول التي تسبق استحقاقاتها الانتخابية بمبادرات للتهدئة والحوار والانفتاح تكون أكثر قدرة على تعزيز الاستقرار وترسيخ الشرعية الديمقراطية.
VI. خارطة طريق نحو انفراج سياسي وحقوقي مسؤول
إذا كان الهدف هو فتح صفحة جديدة، فإن عدداً من المبادرات يمكن أن يسهم في ذلك، ومنها:
§ إطلاق مبادرات للحوار الوطني الهادئ مع مختلف الفاعلين
§ . دراسة إمكانية العفو، أو التدابير القانونية الملائمة، عن بعض المحكوم عليهم في القضايا ذات البعد السياسي أو المرتبطة بحرية التعبير، وفق الضوابط الدستورية والقانونية، وبما يحقق التوازن بين احترام القضاء وتعزيز المصالحة المجتمعية.
§ إيجاد حلول إنسانية لعدد من الملفات التي طال أمدها، بما فيها بعض معتقلي حراك الريف إذا توفرت الشروط القانونية. مراجعة بعض النصوص القانونية المثيرة للجدل والمتعلقة بحرية التعبير.
§ إعادة الحيوية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وتعزيز دورها الاستشاري والوساطي.
§ فتح نقاش عمومي مع الشباب، بمن فيهم أبناء جيل Z، لاستعادة الثقة في المشاركة السياسية.
فالعفو، في التجربة الدستورية المغربية، ليس مجرد إجراء فردي، بل يمكن أن يشكل، عندما تتوافر شروطه، إحدى أدوات بناء الثقة وفتح صفحات جديدة، كما حصل في محطات متعددة من تاريخ المملكة
VII. الرهان الحقيقي… حماية المسار الإصلاحي؛ فالانفراج ليس تنازلاً… بل استثمار في المستقبل
لقد أظهر التاريخ السياسي للمغرب أن مبادرات الانفراج كانت دائماً مصدر قوة للدولة، وأسهمت في تعزيز الاستقرار وترسيخ صورة المملكة كبلد يختار الإصلاح والحوار. والرهان الحقيقي اليوم ليس الدفاع عن هذا الشخص أو ذاك، ولا الانتصار لهذا التيار أو ذاك، وإنما حماية المسار الإصلاحي نفسه، لأن قوة الدولة الحديثة تقاس بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وإدارة التعددية، وتوسيع فضاء الحريات في إطار سيادة القانون. واليوم، ومع اقتراب انتخابات 2026، تبدو الحاجة إلى مبادرة سياسية وحقوقية جديدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، مبادرة تعيد إنتاج الثقة بين الدولة والمجتمع، وتمنح المؤسسات المنتخبة المقبلة شرعية سياسية وأخلاقية أقوى. وليس المقصود طي صفحات الماضي دون مساءلة، وإنما خلق مناخ يسمح للمغاربة جميعاً بالشعور بأن دولة المؤسسات قادرة على الجمع بين سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، والاستماع إلى مختلف الأصوات. إن الانفراج السياسي ليس امتيازاً تمنحه الدولة لفئة دون أخرى، ولا هو تنازل، بل هو استثمار في الاستقرار، وتعبير عن الثقة في قوة الدولة، وعن قناعة بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا بدولة الحقوق، وبحوار المؤسسات، وبإشراك جميع الطاقات الوطنية في بناء المستقبل. هذا هو الأفق الذي ينسجم مع روح دستور 2011، ومع التزامات المغرب الدولية، ومع تطلعات فئات واسعة من المجتمع إلى مرحلة جديدة يكون عنوانها: ترسيخ دولة الحقوق، وتعزيز الثقة، وتحصين الاستقرار بالإصلاح
إن المغرب، وهو مقبل على محطة انتخابية مفصلية، لا يحتاج فقط إلى انتخابات سليمة من الناحية التقنية، بل يحتاج قبل ذلك إلى مناخ سياسي وحقوقي يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالانفراج السياسي ليس امتيازاً يمنح لفئة، ولا تنازلاً أمام ضغوط، بل هو تعبير عن قوة الدولة وثقتها في مؤسساتها وفي مجتمعها. وعندما يلتقي احترام القانون مع توسيع فضاء الحقوق والحريات، يصبح الإصلاح هو الضامن الحقيقي للاستقرار، وتصبح الانتخابات مناسبة لترسيخ الشرعية الديمقراطية لا مجرد استحقاق دستوري دوري.
إن المفارقة المغربية تستحق اليوم أن تُطرح بكل ما يقتضيه الأمر من رصانة ووضوح. فلم يسبق للمملكة أن امتلكت إطاراً دستورياً ومؤسساتياً بهذا القدر من التقدم في مجال حماية حقوق الإنسان، ومع ذلك، قلّما شهد النقاش العمومي هذا الحجم من التوترات والجدل والتساؤلات حول جودة البيئة الحاضنة للحقوق والحريات. وهذه المفارقة لا ينبغي تضخيمها ولا التستر عليها، بل تستوجب قراءة موضوعية وعميقة، لأنها تمس في جوهرها جودة المسار الديمقراطي نفسه، في مرحلة تسبق استحقاقاً وطنياً بالغ الأهمية، هو الانتخابات التشريعية لسنة

