في الوقت الذي يضع فيه الدبلوماسيون الفرنسيون والمغاربة اللمسات الأخيرة على بنود “معاهدة الشراكة الاستثنائية المعززة” المستقبلية، تفرض حقيقة واحدة نفسها ببرود الأرقام: في الجغرافيا السياسية، تزن الخرسانة والمليارات أكثر بكثير من الأزمات التكنولوجية.
ولم تكن إعادة تحريك قضية “بيغاسوس” إعلامياً عبر الحدود، والتي وثقت الاستهداف “المزعوم” لوزراء فرنسيين، سوى ضوضاء في الخلفية سرعان ما خنقتها حقائق الميدان. ونظراً لأن المغرب لطالما أبدى نفياً قاطعاً لهذه “الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة”، وباشر إجراءات قضائية متعددة بتهمة التشهير، فقد اختارت باريس التطلع نحو المستقبل.

ففي الرباط، توجت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الفرنسي بإبرام أربعة عشر اتفاقاً استراتيجياً جديداً، مما يرسم خطاً مستقيماً نحو زيارة الدولة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس. وهذه المعاهدة المرتقبة، وغير المسبوقة لفرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي، لا تستجيب لمعايير أخلاقية، بل لإملاءات حيوية.
وتشكل المنافسة الشرسة بين القوى العظمى في شمال إفريقيا حجر الزاوية لهذه الواقعية السياسية. ويعد منح عقود خط القطار فائق السرعة (LGV) الرابط بين القنيطرة ومراكش المختبر المثالي لذلك.
فإذا كانت شركة “ألستوم” الفرنسية قد أمنت الجوهرة التكنولوجية — المتمثلة في توفير مقطورات القطار فائق السرعة بقيمة 781 مليون يورو — فإن عليها من الآن فصاعداً التعايش مع الصين.
فقد حصدت الشركات الحكومية العملاقة في بكين، على غرار “مجموعة الصين غيزهوبا” (China Gezhouba Group المشاريع الاستراتيجية للهندسة المدنية والملء الترابي، ساحقة المنافسة بفضل تكاليفها المنخفضة.
بالنسبة لباريس، فإن الحسابات بسيطة: تعليق العلاقات أو تجميد الاتفاقيات الاقتصادية بسبب قضية تجسس “مُدّعاة” سيعني تقديم ما تبقى من البنية التحتية المغربية على طبق من ذهب لبكين ولمنافسيها الأوروبيين.
وأمام خطر رؤية الصين تسيطر على القطب اللوجستي والصناعي “طنجة تيك” أو مصانع البطاريات الضخمة (Gigafactories)، يختار الإليزيه تحصين تحالفه.
وبذلك يتم قبول عدم التماثل في المصالح: يحصل المغرب على الدعم الدبلوماسي الحاسم من فرنسا بشأن ملف الصحراء، بينما تحافظ فرنسا على مصالحها الصناعية وتعاونها في مكافحة الإرهاب. إن المشاحنات المحيطة ببرنامج التجسس هذا تتلاشى أمام الواقعية السياسية للأسواق .

